ليلة الحسم.. من يفوز بالانتخابات التشريعية الفرنسية؟

غداً الفرنسيون، يصوتون في الانتخابات التشريعية، التي تنتهي باختيار تركيبة برلمانية جديدة للسنوات الخمس المقبلة. قراءة وتحليل اللافتات الانتخابية واهتمام الشارع بالانتخابات، يشير إلى تراجع مستوى الحملات الانتخابية في فرنسا، التي ربما تبدو هذه المرة باهتة بعض الشئ، بل تشير التوقعات أيضاً إلى احتمالات امتناع عدد كبير من الناخبين عن الإدلاء بأصواتهم، في ضوء الظروف الاقتصادية التي خلفتها أزمة فيروس كورونا، ناهيك عن الحرب الأوكرانية وأزمة الوقود وارتفاع أسعار الطاقة، وأيضا حالة التحفز والتنافس بين الكتل الحزبية هذه المرة، ولهذا وصفت الانتخابات التشريعية الفرنسية المقبلة ب ” المميزة “.

يذكر أن انتخابات الجمعية العامة (الغرفة الأولى للبرلمان) التي تتكون من ٥٧٧ عضوا تجرى في جولتين، وللفوز مباشرة من الدور الأول يجب على المرشح أن يحصل على الأغلبية المطلقة للأصوات ( ٥٠ ٪ + ١ )، وبشرط ألا تقل نسبة المشاركة في دائرة المرشح عن ٢٥٪. وإذا لم يحصل المرشح على الأغلبية المطلقة في الدور الأول، يمكنه الانتقال إلى الدور الثاني إذا حصل على نسبة تفوق ١٢,٥٪، وخلال الجولة الثانية يفوز المرشح الحاصل على أغلبية الأصوات.

وتأسيسا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى أبرز ملامح المشهد الانتخابي الفرنسي بعدما طغت عليه التحالفات بين الأحزاب، وحجم التهديد الذي تمثله الأحزاب المنافسة لحزب ماكرون من أجل إعاقة حصول الأخير على الأغلبية البرلمانية المطلوبة لتشكيل الحكومة.

تحفز حزبي:

تواجه ماكرون وحزبه العديد من التحديات الداخلية التي أعقبت فوزه في انتخابات الرئاسة الأخيرة في أبريل الماضي، بعدما ارتفعت أسعار الوقود أكثر جراء قرار الاتحاد الأوروبي بحظر الطاقة الروسية بنهاية العام الحالي. بالإضافة إلى أحداث ملعب نهائي دوري الأبطال الأوروبي، التي انتقد فيها الشارع الفرنسي ماكرون وحكومته، وطالب الفرنسيون بإقالة وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان، الأمر الذي كان بمثابة أول فشل في بداية العهدة الثانية لماكرون، قد يدفع الناخبين إلى اختيارات مختلفة في الانتخابات التشريعية.

أضف إلى تلك التحديات، المنافسة الحزبية بين الكتل الثلاث الرئيسية؛ الأولى هي الكتلة الداعمة للرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون، وحزبه الذي غير اسمه إلى ” النهضة ” بدلا من ” الجمهورية إلى الأمام “، بعد تحالفه مع حزب ” مودم “، وحزب ” آفاق “، إضافة إلى أحزاب أخرى صغيرة وشخصيات انضمت إلى ماكرون حديثاً،وجميعهم تحت مسمى ائتلاف “معا “.

أما الكتلة الثانية، فتعود لحزب ” التجمع الوطني ” الذي تتزعمه مارين لوبان، منافسة ماكرون في الجولة الرئاسية الحاسمة التي حصلت من خلالها على ٤١,٥ ٪ من الأصوات؛ والتي تحظى بشعبية كبيرة وتنوي الدفع بمرشحين عن كافة الدوائر دون استثناء، خاصة بعد أن رفضت عرض التحالف من منافسها الأكثر يمينية وشعبوية إريك زامور المثير للجدل في الداخل الفرنسي، الذي حصل على ٧ ٪ فقط من الأصوات في انتخابات الرئاسة. وكانت لوبان قد نافست ماكرون في الانتخابات الرئاسية في أبريل الماضي حتى الرمق الأخير، في مشهد أوضح تزايد نفوذ اليمن المتطرف في فرنسا عن السابق، وبناءا على ذلك يرجح البعض احتمالية _ وإن عد فوزها بالأغلبية المطلقة أمرا صعبا _ أن تعرقل استحواذ ماكرون على الأغلبية المطلقة من الأصوات، وهذا كفيل بأن يعطل من مخططات ماكرون في الفترة المقبلة.

في حين تمثل الكتلة الثالثة، هي أحزاب اليسار برمتها بزعامة جان لوك ميلونشون، زعيم اليسار الراديكالي ورئيس حزب “فرنسا الأبية “. وبالرغم من خروج ميلونشون من منافسة الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية بعدما حل ثالثا بعد حصوله على ٢٢ ٪ من الأصوات خلف ماكرون ولوبان، إلا أنها في حد ذاتها نسبة لا يستهان بها عندما يتعلق الأمر بالانتخابات التشريعية، وكفيلة بتقليص حظوظ ماكرون في الانفراد بأغلبية البرلمان، الأمر الذي ازداد تعقيدا بعد استفاقة أحزاب اليسار وتدارك أخطائها في الانتخابات الرئاسية بعدما أسفرت عن نتائج متواضعة، وتمكن ميلونشون من التحالف مع الخضر والشيوعيين والحزب الاشتراكي في الانتخابات التشريعية غداً لكبح إصلاحات ماكرون.

ويبدو أن الكتل الحزبية هذه المرة تريد فرض نظرية المساكنة السياسية أو التعايش على الرئيس إيمانويل ماكرون ( أن يكون الرئيس ورئيس الوزراء منتميين إلى أحزاب وتوجهات مختلفة )، كما حدث في الثمانينيات مع الرئيس ميتران ورئيس وزرائه شيراك. الذي أعيد انتخابه للمرة الثانية، وخوض هذا الاستحقاق الانتخابي بكامل قوتها، للمشاركة في تشكيل حكومة ائتلافية، مما يتيح لها إمكانية كبح أجندة الرئيس.

ونتيجة لذلك، أشارت استطلاعات للرأي أجراها معهدا إيفوب وفيدوسيال إلى تراجع في التأييد إلى تحالف ماكرون، والذي أظهر بالفعل أنه سيتصدر نتائج الانتخابات التشريعية القادمة، ولكن قد لا ينجح في الحصول على الأغلبية المطلقة في الجمعية، أو الاحتفاظ ب ٢٨٩ مقعدا، ورجحت الاستطلاعات حصوله على ما بين ٢٧٥ إلى ٣١٠ مقعدا، مقابل ١٧٠ إلى ٢٠٥ لصالح الائتلاف اليساري ” نوبيس “.

حظوظ ماكرون:

إذا أخذنا في الاعتبار المعطيات الراهنة في المشهد الانتخابي في فرنسا، قد يكون حزب ماكرون لا يزال هو الأوفر حظا في الانتخابات التشريعية القادمة في الحصول على الأغلبية في البرلمان، حتى وإن كان الحسم في الجولة الثانية، وهو الاحتمال الأقرب، ومن ثم اختيار رئيس الوزراء، ولنفس الأسباب التي دفعت الناخبين الفرنسيين لاختيار ماكرون رئيسا لفرنسا لولاية ثانية على التوالي، بعد دوره في الحرب الأوكرانية، وطريقة تعامل حكومته مع فيروس كورونا، هذا بالإضافة إلى النتائج الإيجابية التي شهدتها المؤشرات الاقتصادية في فرنسا، وكلها عوامل رجحت كفته في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في أبريل الماضي، بالرغم من الاضطرابات التي شهدتها ولايته الأولى، وبالرغم من تزايد نفوذ اليمين المتطرف، لذافالأمر نفسه قد ينطبق على الانتخابات التشريعية.

أضف إلى ذلك، مجموعة الإجراءات الأخرى التي أجراها ماكرون في إطار التحضير لخوض الانتخابات التشريعية، وأهمها تغيير اسم حزبه الجمهورية إلى الأمام ” إلى حزب ” النهضة “، والتحالف مع حزبي ” آفاق ” بزعامة رئيس الوزراء السابق في حكومة ماكرون إدوارد فيليب، و ” مودم ” بزعامة فرانسوا بايرو، تحت لواء ائتلاف ” معا ” آملا في الحصول على الأغلبية البرلمانية المطلوبة. وجاء هذا التحالف لقطع الطريق أمام فوز تحالف قوى اليسار بزعامة ميلونشون بالأغلبية خاصة مع ظهور تقارب في النتائج بين التحالفين وفق نتائج أولية حول نوايا التصويت، وبالتالي فإن الأغلبية مهددة حتى الآن بالنسبة إلى ماكرون.

بالإضافة إلى أن ماكرون اتخذ خطوة استباقية في غاية الأهمية، وذلك بتعيينه إليزابيث بورن رئيسة للحكومة، كأول امرأة تشغل هذا المنصب منذ ٣٠ عاما، وهي امرأة ذات توجه يساري من المفترض أنه مختلف عن انتماء ماكرون المصنف وسطي، كما أن بورن مهتمة بقضايا البيئة ( وهي ميزة أخرى في مواجهة اليسار، والخضر بالخصوص)، وبذلك يكون قد أبطل حجة مؤيدي مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف كامرأة، أو مؤيدي ميلونشوناليساري المعروف، وممن ينادوا بالتنوع في توجهات النخبة الحاكمة، وبذلك تكون الفئة الحاكمة في عهدة ماكرون الثانية تضم توجهات مختلفة، ولكن باختياره هو، من أجل ضمان عدم عرقلة أجندته في المرحلة القادمة.

ناهيك عن أصوات الناخبين الفرنسيين في الخارج، حيث ذكرت وسائل إعلام فرنسية أن تجمع ” معا ” تصدر نتائج الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الفرنسية في الخارج في ثماني دوائر من أصل ١١ دائرة، مقابل تفوق اليسار في دائرتين، بينما احتل اليسار المركز الثاني في دوائر انتخابية أخرى. وكان قد بدأ التصويت عبر الانترنت للفرنسيين المقيمين بالخارج يوم الجمعة ٢٧ مايو الماضي وحتى الأربعاء١ يونيو.

كما أن هناك نسبة لا يستهان بها ممن امتنعوا عن التصويت، وخاصة فئة الشباب والطبقات العاملة، وهذا من شأنه أن يأتي في صالح تحالف ماكرون الذي يعتمد على أصوات الناخبين الأثرياء وكبار السن، وبذلك يضمن على الأقل عدم ذهاب أصوات الشباب والعمال إلى اليسار.

هذا دون إغفال حقيقة أن الشارع الفرنسي اعتاد _ إلا في استثناءات معدودة _ على منح الأغلبية البرلمانية للرئيس المنتخب، وآخرها خلال الانتخابات التشريعية التي أجريت في ٢٠١٧، وفاز فيها حزب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ” الجمهورية إلى الأمام ” بأغلبية برلمانية مطلقة، بعد حصوله على أكثر من ٣٠٠مقعدافي البرلمان. وكان يعد هامش الفوز وقتها أقل مما توقع البعض، في ظل انخفاض ملحوظ في نسبة المشاركة في الانتخابات مقارنة بانتخابات عام ٢٠١٢. وهذا الجانب قد يجعل ماكرون المرشح الأوفر حظا للفوز بالأغلبية مرة أخرى. كما أن بعض الرؤساء والوزراء الاشتراكيين السابقين يدعمون ماكرون، مثل ساركوزي وغيرهم.

وختاما، تظل نتائج الانتخابات التشريعية الفرنسية مفتوحة على جميع السيناريوهات المحتملة، وسط مخاوف من عزوف الناخبين، لكن في كل الأحوال يرى محللون أن ما ستفرزه قد يسفر عن أحد الأمرين، إما استمرار ما بات يعرف بشبه التقليد وهو حصول حزب الرئيس على أغلبية برلمانية تمنحه صلاحيات واسعة وأريحية في تنفيذ سياساته.

وإما أن النتائج قد تفتح الأبواب أمام أحد الأطراف الراديكالية الموجودة على الخريطة السياسية الفرنسية، اليمين المتطرف أو اليسار الراديكالي، أي تشكيل مارين لوبان أو جان لوك ميلونشون الحكومة المقبلة، ما يعني أن رئيس الحكومة الجديد سيتم اختياره بتزكية ” إجبارية ” من قبل التحالف الحاصل على الأغلبية. وقد يجد هذا الطرح مرده من خلال تصاعد شعبية الأحزاب الراديكالية سواء من اليمين أو اليسار، مقابل تراجع ملحوظ للأحزاب المعتدلة كالاشتراكيين والجمهوريين.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى