مقاربات مشتركة لقضايا المنطقة: قراءة في أبعاد زيارة أمير قطر لإيران

محمد علي- باحث مشارك في العلوم السياسية.

 بعد مرور أكثر من عامين علي أخر زيارة لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد لإيران، قام الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في الثاني عشر من شهر مايو الماضي بزيارة مهمة لجمهورية إيران الإسلامية، بدعوة من الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، سبقها عدة زيارات لعدد من المسئولين من البلدين. ولا شك أن كثافة هذه الزيارات من الجانبين إنما تعبر عن مستوى العلاقات ودرجة التنسيق المشترك في سياسات البلدين، وما تحمله من رؤى لقضايا المنطقة وكيفية التعامل معها.

إن هذه الزيارة اكتسبت أهميتها لعدة أسباب أهمها الظروف الدولية الراهنة التي فرضتها الحرب الأوكرانية، وتبعاتها على سوق النفط والغاز، وسوق الغذاء العالمي، وما كشفت عنه من احتياج لدخول دول جديدة لدعم الموقف الغربي الخاص بالعقوبات على روسيا وتعويض النقص القائم في الإمدادات الخاصة بالطاقة لأوروبا وبلدان أخرى.

من هنا تهتم هذه الورقة التحليلية بالبحث في نتائج هذه الزيارة وتقييم ما يمكن أن تكون قد أسفرت عنه من مقاربات سياسية واستراتيجية واقتصادية وغيرها، سواء فيما يتعلق بمعالجة بعض آثار الأزمة الأوكرانية أو بالتعامل مع بعض التحديات الموجودة في المنطقة وعلى رأسها الملف النووي الإيراني وجمود المفاوضات، وارتفاع وتيرة التوتر الإيراني الإسرائيلي بشكل عام على خلفية عمليات الإغتيال التي تمت لبعض العلماء والمسئولين العسكريين والأمنيين الإيرانيين وأخرهم حسن صياد خدائي وقصف منشأة برشين العسكرية في إيران

المستوى الراهن للعلاقات القطرية الراهنة:

تعتبر العلاقات القطرية الإيرانية في أفضل مستوياتها في الوقت الراهن، ويعكس ذلك بوضوح  زيادة معدل الزيارات بين الإيرانيين والقطريين لمستوى غير مسبوق، خاصة منذ انطلاق المحادثات النووية الدولية مع إيران في فيينا، ولذا نجد أن وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، زار إيران في 27 يناير 2022، وكذلك الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي زار قطر فبراير الماضي كما عقد الجانبان عدة محادثات هاتفية من بينها تلك التي جرت بين وزير الخارجية القطري ونظيره الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، في مارس الماضي

كما تسعيان إيران وقطر جديًا إلى تعزيز التعاون الاقتصادي بينهما، خاصة في مجال الطاقة. حيث تم الاتفاق خلال الزيارة على عددٍ من الاتفاقيات المهمة في المجال الاقتصادي، وتعد تلك التفاهمات نتاج زيارة الرئيس إبراهيم رئيسي الأخيرة إلى الدوحة في فبراير الماضي، وخلال تلك الزيارة تم توقيع 14 وثيقة تعاون في مجالات السياسة الخارجية، والإعلام، والرياضة، والنقل، والكهرباء، والتعليم والثقافة، وهو ما تم استكماله في زيارة الشيخ تميم الأخيرة وأسفر هذا التعاون إلى توقيعَ الطرفين على 6 اتفاقيات للتعاون في مجال الكهرباء وتخطط قطر لتوسيع مجال تعاونها مع طهران فيما يخص مجال الكهرباء على وجه الخصوص.

زيارة الشيخ تميم لإيران: قراءة في الأهداف المحتملة:

(*) تحريك الملف النووي الإيراني وتجاوز عتبة الجمود: في ظل جمود في المباحثات الرامية لإحياء الاتفاق النووي الإيراني في ظل العقوبات الأمريكية علي طهران، تهدف زيارة أمير قطر للوصول بأطراف الاتفاق النووي الإيراني إلى أرضية مشتركة جديدة، وسط أجواء استقطاب بالغة الحدة على وقع تصاعد الأزمة الجيوسياسية العالمية، والمواجهة المتصاعدة بين روسيا والغرب، والتي تلقى بظلالها على «الاتفاق النووي» من جهة، وعلى الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط من جهة ثانية، وكانت قد توقفت تلك المحادثات بسبب تصميم إيران على شطب الولايات المتحدة الحرس الثوري الإيراني من قائمة المنظمات الإرهابية لديها، وكذلك إصرار إيران الإفراج عن الأموال المجمدة لديها لدى الولايات المتحدة مقابل الإفراج عن الأشخاص المحتجزين الذين يحملون جنسية البدلين. وكذلك بسبب المطلب الروسي بضرورة استمرار التجارة بينها وبين إيران بعد لاندلاع الحرب مع أوكرانيا في ظل العقوبات الغربية ضد روسيا، لذا تلعب قطر دور الوساطة لإعادة المفاوضات النووية مجددًا علي مائدة الحوار، وتستغل ايران تمحور تركيز الغرب علي هدفين أساسيين حاليا الاول فرض العقوبات على موسكو، وإيجاد بديل لنفطها وغازها، لتتأهب للعب دور هام يحتل مكانته في «سياسة الطاقة الأوروبية»، ومن ثم لتحظى إيران بقبول سلوكها الإقليمي، بل إن ما يزيد من حرص إيران، على إتمام إحياء «الاتفاق النووي» أكثر من ذي قبل، هو ارتفاع أسعار النفط الذي سيضمن لها انفراجه اقتصادية تسهم في تعافي اقتصادها المتضرر من العقوبات الغربية. أيضاً تستحوذ مسألة الإفراج عن الأموال الايرانية لدى الغرب أهمية كبيرة بالنسبة لإيران ومطالباتها لمواصلة المفاوضات النووية، خاصة وأن الحكومة الإيرانية أعادت التشديد مرة أخرى على ضرورة تحقق هذا المطلب، في ظل ربط مسألة الإفراج عن هذه الأموال بنتائج مفاوضات فيينا. حيث كان أمير قطر قد سافر الي عدد من الدول الاوربية عقب زيارة طهران للوصول لتفاهمات بشأن مستقبل المفاوضات النووية والتطرق إلى ملفاتٍ أخرى ذات صلة وأهمية للأطراف المشاركة في الاتفاق النووي من بينها تبادل السجناء بين إيران والدول الغربية، إلى جانب الترتيب للإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج.

(*) دور قطري في إقناع إيران بالمرونة مع الولايات المتحدة: حيث تسعى الولايات المتحدة إلى إضعاف التحالف بين روسيا وإيران، عن طريق تقديم إغراءات اقتصادية وجيوسياسية لطهران، بأن تضمن لها وفرة مالية وكذلك إطلاق يدها في المنطقة، بهدف سحبها تدريجياً للمعسكر الغربي، ومن ثم تجريد موسكو، من أحد أعمدتها الأساسية في الشرق الأوسط؛ للحد من نفوذها في المنطقة. خاصة في ظل توتر العلاقات السعودية الأمريكية بعد فشل زيارة وليام بيرنز رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية للرياض ولقائه مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في مدينة جدة ومناقشة حل الخلافات وحالة التوتر القائمة بين البلدين بعد أن شعرت واشنطن بميل واضح للرياض للتعاون بشكل أكبر مع الصين وروسيا ومواقفها من الأزمة الأوكرانية ورفضها ضخ المزيد من النفط للتأثير على الأسواق العالمية وقدرات روسيا الاقتصادية.

(*) إعادة طرح فكرة الحوار الإقليمي الخليجي مع إيران: ترى الدوحة ضرورة وجود حوار خليجي إيراني مباشر، معتبرة أنه لا يمكن لأي طراف أن يهمش الطرف الآخر، كما أن كل التجارب خلال العقود الماضية تؤكد أنه لا بد من حوار مباشر، يكون مصحوبًا باحترام متبادل للعلاقات، يأتي ذلك تزامنًا مع تحولات متتابعة على مستوى العلاقات الثنائية وداخل الإقليم، نتج عن ذلك زيارات متبادلة بين قادة دول الخليج من جانب وإيران من جانب آخر للوصول لتفاهمات جديدة لحل الأزمات التي تمر بالمنطقة وبناء مرحلة جديدة من العلاقات ، فبعد زيارة أمير قطر لطهران زار الرئيس الإيراني عمان وبحث الطرفان سبل تعزيز التعاون الاقتصادي بينهم، وكذلك استمرار الحوار السعودي الإيراني في جولته الخامسة في العراق في نفس الشهر بحضور رئيس مجلس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي ووجود ممثلين عن مجلس الأمن القومي الإيراني ورئيس المخابرات السعودي، وذلك لإيجاد آفاق للتعاون بين الدولتين وتعزيز الأمن الإقليمي في الخليج العربي وإيجاد مخرج للوضع القائم في اليمن.

‎(*) دور إيراني في تنظيم كأس العالم 2022: يخطط البلدان للتعاون في تنظيم كأس العالم المقامة في قطر في أخر العام الحالي لتعويض الأماكن المحدودة في الفنادق القطرية عبر تأمين السكن في سفن الرحلات البحرية الراسية في الموانئ، كما أن الخطط البديلة المقترحة هي استخدام الفنادق الإيرانية الموجودة على “جزيرة كيش” على بُعد خمس وثلاثين دقيقة عن الدوحة، إن المسؤولين الحكوميين في إيران يطرحون هذه الفكرة في الداخل منذ أشهر من أجل تعزيز قطاع السياحة المحلى في إيران والحصول على عوائد اقتصادية. فكان قد عقد النائب الأول للرئيس الإيراني، محمد مخبر، جلسة مع المسؤولين الحكوميين المعنيين في إيران وبعض رجال الأعمال في مجال القطاع الخاص بالبلاد، وتم خلالها تحددت 70 مجالًا للتعاون مع قطر فيما يتعلق بتنظيم كأس العالم في اخر العام الحالي.

(*) التحسب الخليجي/ القطري لعودة إيران لسوق الغاز والنفط: أن ميزان النفط العالمي من المتوقع أن يتغير كثيراً بعد الاتفاق النووي إذا ما تم، حيث أن ايران عادت إلى زيادة إنتاج النفط بمستويات مقاربة لما كانت عليه قبل إعادة فرض العقوبات الأمريكية عام 2018، لذلك نجد استعدادات إيرانية لما بعد الاتفاق في العودة إلى السوق العالمية، ولعل أزمة حقل الدرة بين إيران من جهة والكويت والسعودية من جهة أخرى تظهر الحرص الإيراني على ذلك. إذ عارضت طهران الاتفاق السعودي الكويتي بشأن تطوير حقل الدرة للغاز الطبيعي، على اعتبار أنها جزء من ذلك الحقل، واصفة الاتفاق بالخطوة غير القانونية، قد تضطر الدول الخليجية إلى بناء تحالفات اقتصادية خاصة بالنفط دون مشاركة إيرانية أو حتى غربية  في حال تمدد التنافس الخليجي الإيراني إلى خطوط الإمداد بهدف حماية الاقتصاد الخليجي، الذي قد يتضرر من عودة منافسة النفط الإيراني وبأسعار زهيدة، وسهولة نقله بين مختلف قارات العالم.

من خلال التقدير يمكن القول، إن الدوحة وسعت التقارب مع طهران في الآونة الأخيرة وعززت التعاون في العديد من المجالات الاقتصادية والتجارية خاصة في مجالات النقل والكهرباء، وكذلك أيضا التعاون المشترك في ملف تنظيم كأس العالم المقبل، مما دفعها إلى تعزيز الاتصال بطهران وخاصة بعد إعلان الولايات المتحدة الدوحة حليف رئيسي من خارج دول الناتو. ومن هنا، نستطيع تفهم دوافع زيارة أمير قطر الأخيرة إلى العاصمة طهران وما إذا ستنجح تلك الجهود الرامية لفك الجمود القائم بشأن الاتفاق النووي أم سيبقى الوضع كما هو عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى