ماذا بعد؟.. انعكاسات الأزمة الأوكرانية على القضية الفلسطينية

د. إبراهيم ربايعة- خبير فلسطيني في العلاقات الدولية

تشهد الأرض الفلسطينية المحتلة، منذ العام 2015، موجات متلاحقة من المواجهة، وهبات متتالية، تؤسس كل منها للتالية، بعضها شامل تنخرط فيه مناطق متعددة،  كما في هبة العام الماضي التي برز فيها الداخل والقدس والضفة وغزة. وبعضها محدد في منطقة واحدة. لكن الموحد أن هذه الهبات بدأت تؤثر على إسرائيل الاستعمارية التي حاولت تدجين الحالة الفلسطينية في صندوق محكم منذ العام 2000، واستغلت الثورات العربية وارتباك المشهد الإقليمية لتعزز إغلاق هذا الصندوق.

وفي الوقت الذي يعاني فيه المشهد الفلسطيني على مستوى الفواعل الرسمية من انقسام، وضعف في الفعل السياسي، وغياب للرؤية والمشروع، بدأ الشارع يشكل حالة مختلفة تتجاوز هذه البنى، وهو نمط لم تعتد إسرائيل على مواجهته. فإسرائيل التي اعتادت على وصم الفلسطيني بالإرهاب، استندت إلى الحركات والاشتباك الدامي، لكنها لم تكن جاهزة لاستقبال نمط مختلف من الاشتباك، أساسه الاحتجاج في الشارع والمواجهة العارمة بين الفلسطيني الأعزل، ومنظومة استعمارية مدججة.

شكلت حادثة اغتيال الصحفية شيرين أبو عاقلة، مرحلة جديدة في هذا الاشتباك. إذ أفقد الاغتيال إسرائيل مساحة مراوغة دعائية، وبالتالي جمهوراً داعماً بشكل مطلق، خاصة في الغرب. كما أعادت الأحداث التالي وأهمها التشييع في القدس وما واكبه من اعتداء وحشي على النعش والجنازة، القضية الفلسطينية إلى موقعها الطليعي على المستويين العربي والدولي، كقضية أخلاقية لا مفر من الانحياز إليها.

ظرف دولي مُمَّكن:

شكلت الحرب الدائرة في أوكرانيا مساحة كاشفة للتناقض الأخلاقي في السلوك السياسي الغربي، خاصة من قبل كبار الفواعل الدوليين. فبينما انهالت العقوبات على روسيا، وتعرضت موسكو لضغط هائل منذ اللحظة الأولى لتحركها باتجاه أوكرانيا، تمتعت إسرائيل بدعم وحصانة دولية شبه مطلقة. فمع  المحاولات العربية والفلسطينية بتجريم الاحتلال وفرض مقاطعته من خلال نواظم ملزمة في القانون الدولي، أو قرارات صادرة عن المنظمات الإقليمية، كانت تنتصر بالمجمل الهجمات الإسرائيلية المضادة، التي برعت باستثمار شبكة مصالح إسرائيل الدولية، وقدرتها على قوننة دعمها في التشريعات الغربية، خاصة عبر مدخل رُهاب معاداة السامية، الذي شكل حاجزاً قوياً أمام الفعل المساند للقضية الفلسطيني.

استثمرت إسرائيل شبكة مصالحها وحضورها في كل مكان لتكبيل الفعل المساند للحالة الفلسطينية، فحتى على مستوى الفضاء الرقمي، نجحت تل أبيب بفرض معاييرها للجم أي فعل مساند لفلسطين وقضيتها، من خلال استثمار وجود مسانديها في المنصات، واستثماراتها في البحث والتطوير مع كبار شركات التقانة الدولية. لكن الهبات المتعاقبة، وسقوط المعايير في الأزمة الروسية الأوكرانية، منح القضية الفلسطينية مساحة حضور أوسع على هذه المنصات. وكبل قيود إسرائيل وقدرتها على كتم الصوت المناصر للقضية الفلسطينية.

تبرز انعكاسات الظرفية الدولية على ملف الشهيدة أبو عاقلة بشكل واضح، ففي حين أغفل العالم عن كثير من الجرائم الإسرائيلية بحق الصحفيين الفلسطينيين، إذ استشهد أكثر من 55 صحفياً فلسطينياً على يد الاحتلال منذ العام 2000، جاءت ردود الافعال الغاضبة من كل العواصم الغربية بشكل غير مسبوق، بعد وصول جدل التناقض الأخلاقي في التعامل بين الأزمتين إلى أروقة صنع القرار الغربية.

خيار إسرائيل.. احتلال إلى الأبد:

منذ سقوط محاولة التفاوض عام 2008 مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت، برع النظام السياسي الإسرائيلي وبشكل واضح، بإظهار موقفه المبدئي بألا فرصة لإنهاء الاحتلال على قواعد القرارات الدولية 242 و338. تعزز هذا الطرح ميدانياً من خلال التغييرات التي حدثت على الأرض في حقبة رئيس الوزراء الإسرائيلي ذي مدة الحكم الأطول بينيامين نتنياهو (2009-2021)، والذي حصل على فرصة فرض تغييرات على الأرض بتعزيز الاستيطان بالضفة الغربية وتهويد القدس، وربط أي حل باستفتاء عام، وسن سلسلة قوانين عنصرية تقصي الفلسطيني في الداخل من أية فرصة للمواطنة.

ساند الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب نتنياهو عبر صفقة القرن، وهي وصفة انفصال إسرائيلية تمنح تل أبيب أكبر أرض بأقل سكان وتتناسب وطرح السلام الاقتصادي لنتنياهو. ومع سقوط نتنياهو في حزيران 2021، ووصول شريكه السابق نفتالي بينيت إلى هذا الموقع، لم يكن أمام الفلسطينيين أية فرصة للتفاؤل، فبينيت زعيم استيطاني يختلف تكتيكياً مع نتياهو إلا أنهما يتفقان استراتيجيا حول المبدأ.

أحبطت الإدارة الأميركية التطلعات الفلسطينية، ولم تمتلك القدرة والجدية لإحداث تغيير، فهي تواجه نظاماً سياسياً إسرائيلياً يدعي الهشاشة وعدم القدرة على اتخاذ القرار، لكنه في الواقع نظام يرتكز على أيدلوجيا رافضة للآخر، لا تقبل التفكير بالاعتراف باحتلالها للأرض الفلسطينية، ولا تقبل أن تنسحب عن أي أرض  محتلة.

الخيار الفلسطيني.. مواجهة الشارع وتجاوز الفصائل:

في ظل الهندسة السياسية التي رسخت في الأرض الفلسطينية منذ أوسلو وحتى اليوم، ليس من السهل على أي فصيل فلسطيني في الضفة والقطاع، الوصول إلى اشتباك مفتوح ومستدام مع الاحتلال. وهذا ما سمح بتكون البديل الشعبي، مقاومة من أسفل إلى أعلى تمتد لتناهض منظومة الفصل العنصري في الداخل، والاستعمار الاستغلالي في الضفة والقطاع والقدس.

يرتكز هذا الخيار، بمساحتيه المسلحة والسلمية، على أفراد من الجيل الشاب، الذي لم يعش تجربة انتفاضة الأقصى (2000-2005)، لا يتبع الفصائل والأحزاب ولا يمتلك تجربة قتالية. شاب يرفض الواقع ويبحث عن الأمل، ويؤمن بجدوى فعله، على عكس الجيل السابق الذي أحبطته تجربة الانتفاضة وما أنتجت من تدمير لمشروع الدولة والتحرر.

تحاول إسرائيل مواجهة هذه الحالة بالقوة المفرطة، وتحاول الحفاظ على منظومة “التسهيلات” كي لا تعيد تجربة الانتفاضة السابقة، حين خلص عدد من المحللين الإسرائيليين إلى أن الضغط الاقتصادي قاد لمزيد من الانخراط بالانتفاضة. لكن هذا السلوك المضاد لم يجد، فإسرائيل التي تحاول الاتكاء على التحفيز والعقاب الاقتصادي بشكل أساسي، ما تزال مصرة على رفض تعريف نفسها كقوة احتلال.

ماذا بعد؟:

أظهرت السنوات الفائتة نجاعة الفعل الفلسطيني بالنسبة للفلسطينيين، المؤمنين بنجاحهم ولو بشكل متدرج بترميم صورتهم عربياً ودوليا، واستعادة موقع القضية، والتأثير على قوة إسرائيل الناعمة. أما إسرائيل فبدأت تواجه سؤال نجاعة أدواتها وأزمتها الأخلاقية داخلياً، فمنظومة استثمرت كل إمكاناتها لتهويد القدس على سبيل المثال لأكثر من 55 عاماً، فشلت وما زالت تخشى من العلم الفلسطيني، فالفلسطيني يسير اليوم بشوارع القدس مطمئناً فيما يسير الإسرائيلي مرتعشاً، وفق ما يصف الكتاب الإسرائيليين.

إن هذه المتغيرات تشير وبوضوح إلى أن المياه الراكدة تحركت وبشكل قوي، وأن المستقبل يشير إلى تحولات من المرجح أن تكون لصالح القضية الفلسطينية، رغم قتامة الواقع على الأرض.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى