تقليص الدور: تداعيات انسحاب “مالي” من مجموعة دول الساحل

يسرا محمد مسعود- باحث مساعد ببرنامج الدراسات الأفريقية.

تعد مجموعة دول الساحل الخمس إطاراً مؤسسياً لتنسيق التعاون الإقليمي في سياسات التنمية والشئون الأمنية في منطقة غرب أفريقيا، وفي 15 مايو 2022، أرسلت السلطات الانتقالية المالية بياناً أعلنت فيه انسحابها من مجموعة دول الساحل الخمس،بما فيها القوة المشتركة لمكافحة الإرهاب، وكان من المفترض أن تستضيف باماكو عاصمة مالي في فبراير 2022، قمة مخصصة لبداية الرئاسة مالي للمجموعة؛ إلا أنه وبعد مضى نحو 3 أشهر على الموعد لم يعقد الاجتماع، بل أعلنت مالي عن انسحابها من المجموعة وفق بيان الحكومة، فما هي أسباب هذا الانسحاب؟ وما هي تداعياته على مستقبل مجموعة(G5)؟، هذا ما يحاول التحليل إلى الإجابة عنه.

قراءة أولية:

تشكلت مجموعة دول الساحل الخمس(G5) في شهر فبراير من العام ٢٠١٤، حيث أعلنت موريتانيا وتشاد ومالي وبوركينافاسو والنيجر،عن إنشاء المجموعة لتنسيق ومتابعة التعاون الإقليمي؛ خصوصا في مجال مكافحة الإرهاب في المنطقة،وعملت البلدان الخمس على مراجعة المنظومة الأمنية وإجراء التغييرات الضرورية ضمن الأولويات الهادفة لتحقيق الأمن والسلام في هذه الدول.

وقد اتفق قادة دول المجموعة على تفعيل آليات التعاون بين الدول الأعضاء وشركائها في العديد من المجالات، مثل: التعاون في تحقيق الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية وتوفير فرص عمل للشباب، والتعاون العسكري، فضلا عن مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، ولهذا قرروا تشكيل قوة من 10 آلاف جندي لتأمين الحدود ومواجهة الإرهاب، خصوصا بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر، كما تعنى بمحاربة تهريب المخدرات، والاتجار بالبشر.

وفي 13 يوليو 2017، وخلال اجتماع باريس، أعلن عن انضمام أعضاء جدد إلى التحالف، الذي أصبح اثنى عشر عضوًا بعد انضمام: فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي ومصرف التنمية الأفريقي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي والمملكة المتحدة وإيطاليا وإسبانيا وهولندا ولكسمبرغ، كما أضحت الولايات المتحدة الأمريكية والنرويج وفنلندا بلدانا أعضاء تتمتع بصفة المراقب.

وقد أعلنت مالي في بيان نشرته الأحد، 14 مايو2022، أنها قرّرت الانسحاب من كل أجهزة مجموعة دول الساحل الخمس وهيئاتها بما فيها القوة المشتركة لمكافحة الإرهاب، ما يعني أن باماكو لم تجمد عضويتها فى المجموعة، وإنما انسحبت بشكل كامل، كما أنها لم تشير فى بيانها إلى أى إمكانية لمراجعة قرار الانسحاب، على الرغم من تأكيدها على انخراطها فى التعاون والتكامل الإقليمي بهدف تحقيق تطلعات الشعوب الأفريقية.

عوامل وأسباب:

هناك العديد من العوامل والأسباب التي يعود إليها انسحاب مالي من مجموعة دول الساحل الخمس(G5)، والتي يمكن رصدها على النحو التالي:

(&) تصاعد الخلافات بين مالي وفرنسا: فقد تصاعدت الخلافات بينهما منذ انقلاب 24 مايو 2021 والتي قادت في نهاية المطاف إلى إعلان باريس فى فبراير 2022، الانسحاب العسكرى الكامل من مالى، والذي جاء احتجاجاً على الهيمنة العسكرية على المشهد السياسي فى البلاد وعلاقات باماكو بروسيا.

(&) رفض إحدى دول مجموعة الساحل الخمس(G5) تولى باماكو للرئاسة الدورية للمجموعة، حيث تعرض دولة عضو في المجموعة،تعارض تولي مالي رئاسة المجموعة، وهو ما ترفضه مالى بشدة، واتهمت باماكودول المجموعة بفقدان الاستقلالية، داعية تلك الدول بالسعي نحو محاربة المسلحين، والعمل على تحقيق أي تقدم في هذا الملف.

(&) فرض عقوبات على مالي، فعقب الانقلاب الذي وقع في مالي، قررت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (الإيكواس) فرض مجموعة من العقوبات على مالي، وهو ما رفضته باماكو، وأعلنت استنكارها لهذا لإجراء، داعية مجموعة (الإيكواس) لتراجع عن هذا القرار، والذى سيؤثر سلبا على الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد.

(&) أسباب تمويلية، هناك بعض الخبراء، الذين يرجعون انسحاب مالي لضعف تمويل المجموعة، حيث تعانى مجموعة الساحل منذ إنشائها من مشكلات في التمويل، في ظلرفض كلاً من الولايات المتحدة وبريطانيا تمويل المجموعة، كما جاءت الحرب فى أوكرانيا لتزيد من أزمة التمويل فى ظل تغيير الأولويات الاستراتيجية للقوى الغربية،خصوصاً دول الاتحاد الأوروبى التى تعتبر المانح الأبرز لمجموعة دول الساحل، والتي بلغ حجم مساهمتها حتى الآن أكثر من 256 مليون يورو، ومنذ الحرب فى أوكرانيا، تحولت الأنظار إلى أوروبا، حيث أصبح الخطر الأول هو الصراع ضد روسيا وليس الإرهاب في منطقة الساحل.

مواقف دولية:

(*) جاء موقف الأمم المتحدة، مستنكر القرار الانسحاب، ودعت لمعاودة الحوار مع مالي، خلال اجتماع مجلس الأمن،فى 18 مايو 2022،بشأن مجموعة الساحل الخمس، وأدان أعضاء المجلس قرار الانسحاب، وأعربوا عن أملهم في تحمل باماكو مسؤوليتها وأن تواصل الحوار مع جيرانها لمكافحة التهديدات الإرهابية في تلك لمنطقة، كما دعوا إلى تعزيز ولاية البعثة المتكاملة (مينوساما)، كما شدد سفير غانا- نيابة عن المجموعة الأفريقية-على أن دولة واحدة وحدها لا تستطيع محاربة الإرهاب، ودعا الجميع إلى تجديد ولاية البعثة المتكاملة للأمم المتحدة(مينوساما) فى يونيو 2022، كما أشار تقرير الأمين العام للأمم المتحدة”انطونيو غوتريتش”، “أن الانقلابات العسكرية فى مالى وبوركينا فاسو تضر بالقدرة العملاتية لقوة مجموعة الساحل للتصدى للجهاديين”.

(*) أما موقف فرنسا، فقد اعتبرت وزارة الخارجية الفرنسية، إن قرار الانسحاب الذي اتخذته مالي يعكس عزلة المجلس العسكري الحاكم فى باماكو، حيث ترى باريس أن هذا القرار،يقوض الجهود الإقليمية لمحاربة الإرهاب،ويأتي انعكاسا لتدهورت علاقة مالى بالدول الغربية.

(*) في حين أن روسيا التي يعتقد أن زيادة التعاون بينها وبين المجلس العسكري الحاكم في مالى، لم تعلن عن موقفها من انسحاب مالي، غير أن وزير الخارجية الروسى “لافروف”، أجرى محادثات مع وزير الخارجية المالى “ديوب”،حول قضايا عدد من الأمنية والسياسية، وأعرب الوزير الروسي عن أمله فى استمرار وتعزيز التعاون بين موسكو وباماكو، لمواجهة التهديدات الإرهابية التي تواجه البلاد ،مؤكدا أن أفريقيا هي صديقة روسيا القديمة وأن موسكو معنية بالمساعدة لحل الأزمات التى تواجهها القارة الأفريقية .

تداعيات الانسحاب:

يرى البعض أن انسحاب مالي من المجموعة، يعد بمثابة قطع للأواصل التي تربط دول المجموعة؛ خاصة وأن مالى تعد دولة محورية فى هذه المجموعة، كما أن تداعيات هذا الانسحاب ستكون كبيرة فى جانب الحدود المشتركة الثلاثة بين مالى والنيجر وبوركينا فاسو، وقد يؤدى هذا الانسحاب إلى تقليص دور المجموعة فى إحلال السلام فى المنطقة، إذ أن مالي كانت مالى مسرحاً لعمليات الجماعات الجهادية المرتبطة بالقاعدة وداعش منذ عام 2012، إضافة إلى أعمال العنف التى ترتكبها ميليشيات الدفاع عن النفس وقطاع الطرق،في مناطق شمال مالي، والذي امتد فى عام 2021،إلى المركز،ثم إلى بوركينا فاسو والنيجر المجاورتين، وقد تسببت أعمال العنف هذه في مقتل الآلاف من المدنيين والعسكريين وكذلك مئات الآلاف من النازحين،على الرغم من انتشار قوات فرنسية وأفريقية، وقوات تابعة للأمم المتحدة في تلك المناطق، وبالتالي من شأن ذا الانسحاب أن يفاقم الأوضاع الأمنية في مناطق العنف، ويزيد من حجم التحديات التى تواجه دول المجموعة.

وقد أثار قرار الانسحاب المالي من مجموعة الساحل الخمس، التساؤل حول مستقبل العمليات الدولية لمواجهة ومحاربة الجماعات المسلحة فى مالى وفى منطقة الساحل الأفريقي، وما إن كان بمقدور مالى الاعتماد على قواتها الذاتية للقيام لهذا الأمر؟، أم أنها تتجه إلى التعاون مع روسيا في هذا الأمر، خاصة بعد تعاون باماكو مع مجموعة “الفاغنر”، والتي يطلق عليها الجيش السري لبوتين وهى ميليشيات شبه عسكرية، تضم فى صفوفها مابين 2500 إلى 5000 مرتزق.

ولا يتوقف الأمر على محاربة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي، بل أن من أهم تداعيات انسحاب مالي أيضا، هو أن غياب مالى عن مجموعة الساحل يمكن أن يؤدي إلى تفكك المجموعة،على الأقل من الناحية العملية والميدانية،إذ إن موريتانيا لا ترتبط بأى حدود برية مع بقية الدول، وبخروجها تفقد دول المجموعة الخمسة ميزة الترابط الجغرافى، كما أن مالى تعد محور العمليات العسكرية المشتركة ضدا لتنظيمات الإرهابية، خاصة القاعدة وداعش، وبهذا الانسحاب، تواجه مالي بمفردها هذه التنظيمات، التي تنشط في أراضيها بالأساس، مما يزيد من عزلتها عن جيرانها.

وفى النهاية يمكن القول، إن انسحاب مالي من مجموعة دول الساحل الخمس، يستدعي من الدول الأعضاء إعطاء الأولوية للمصلحة الجماعية وضمان الأمن الجماعي لدولهم، واستباق مساعي دول أخرى الانسحاب من المجموعة، وهو الأمر الذي لا يعني سوى انهيار المجموعة بالأساس.

وقد يتطلب الأمر زيادة مساعي دول المجموعة حث مالي على التراجع عن قرار الانسحاب، لا سيما إذا ما أجمعوا على القبول برئاستها الدورية للمجموعة، وإن كان البعض يشكك في أن يكون ذلك هو السبب الرئيسي لاتخاذ مالي قرار الانسحاب؛ مرجحين وجود أسباب أخرى، على غرار مساعي باماكو تعزيز التعاون مع شركاء آخرين خاصة روسيا، حيث يحافظ المجلس العسكرى المالى على اتصالات وثيقة مع روسيا، فى الوقت الذي تسود فيه توترات سياسية واضحة بين مالي وفرنسا، فضلا عن ظهور مؤشرات عدة، تشير إلىإعادة تشكيل التحالفات في المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى