زيارة مرتقبة: الأجندة المحتملة للقمة الأمريكية-السعودية القادمة

صدرت عدة تقارير أمريكية تشير إلى أنه ثمة ترتيبات داخل أروقة البيت من أجل زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى السعودية خلال الشهر المقبل، ولقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان للمرة الأولى منذ تولى جو بايدن مقاليد الحكم، وذلك بعد فترة من الفتور في العلاقات بين واشنطن والرياض، تخللها تراشق الاتهامات والتصريحات اللاذعة من قبل البلدين، وبالأخص من جانب المسئولين الأمريكان، بشأن الملف الحقوقي في السعودية وحرب اليمن.

وتأسيسا على ذلك، يحاول هذا التحليل إلقاء الضوء على أهم الإرهاصات التي تشير إلى الزيارة المحتملة قريبا، والأسباب التي دفعت الإدارة الأمريكية إلى ذلك، والمعوقات التي قد تعرقل الزيارة.

تحركات لافتة:

يذكر أنه قبل شهرين تواردت تقارير أخرى عن زيارة قريبة للرئيس الأمريكي إلى السعودية، إلا أن البيت الأبيض نفى تلك التقارير في ذلك الوقت، وأكدت جين ساكي متحدثة البيت الأبيض أنه ” ليس هناك أي خطط في الوقت لأن يزور الرئيس الأمريكي السعودية”، إلى أن عادت تلك التقارير تطفو إلى السطح مجددا، ولكن هذه المرة تجد تلك التقارير سندها في عدة مؤشرات،  لعل أهمها:

(*) زيارة نائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى البيت الأبيض: في زيارة هي الأولى من نوعها لمسئول سعودي رفيع المستوى منذ تولى جو بايدن الرئاسة الأمريكية، والنقي الأمير خلالها بوزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن، ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان، كما أشارت بعض التقارير إلى انضمام وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى الاجتماع. وجاءت الزيارة في وقت تأزمت فيه العلاقات الأمريكية السعودية بشكل أكبر من ذي قبل خلال الأزمة الأوكرانية، بعد رفض الدول الخليجية، وعلى رأسها السعودية زيادة إنتاج النفط للتخفيف من ضغط أسعار الطاقة في العالم. وأيضا في وقت تزايدت فيها خطورة التهديدات الحوثية للمملكة، مع حاجة المملكة لتدعيم الأنظمة الدفاعية لديها بشكل أكبر، بعدما كشفت الهجمات الحوثية عن ثغرات ملموسة في الدفاعات السعودية. والأهم أنه في الوقت الحالي تلوح في الأفق احتمالية فشل الاتفاق النووي بالرغم من التطمينات الأوروبية. ومن المرجح بالنظر إلى الشخصيات التي حضرت الاجتماع أن يكون الاجتماع قد تطرق إلى ملف حرب اليمن، وهو ما يتضح من خلال التصريحات التي أعقبت اللقاء، والتي أكدت فيها واشنطن التزامها بالدفاع عن المملكة من هجمات ” الجماعات الموالية مع إيران “، إلى جانب ملف خاشقجي، باعتبارها أحد الملفات الأساسية التي تؤرق العلاقات السعودية الأمريكية.

(*) زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي: وعقب ساعات من زيارة الأمير خالد بن سلمان، ومع نفس المسئولين الأمريكان، زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس، بالتزامن مع المناورات العسكرية المشتركة بين واشنطن وتل أبيب، ومع احتدام المباحثات الخاصة بالاتفاق النووي كما ذكرنا، بسبب إصرار طهران على إزالة الحرس الثوري من على قوائم الإرهاب. وعليه، فإن ما يجمع الأطراف الثلاثة ( أمريكا والسعودية وإسرائيل ) وفي هذا التوقيت وعلى نفس المستوى الدبلوماسي، هو الملف النووي الإيراني المهدد بالفشل، وهو مبرر آخر قد يعجل بالزيارة مع ضغوط الأزمة الأوكرانية، مما دفع البعض إلى ترجيح احتمالية زيارة بايدن إلى السعودية عقب زيارته إلى إسرائيل المعلن عنها الشهر المقبل، وقد تقتصر الزيارة على السعودية فقط، أو الأرجح أن تشمل الزيارة بقية دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة حال تصادفت الزيارة مع قمة مجلس التعاون الذي ترأسه السعودية حاليا، فهناك احتمالية لأن تنضم مصر للاجتماع.

(*) تصريحات الرئيس الأمريكي: حيث صرح الرئيس الأمريكيجو بايدن خلال حوار متلفز بأن ” هناك الكثير من الأشخاص في الشرق الأوسط يريدون التحدث معي، لست متأكدا من أنني سأتحدث معهم، لكن النقطة المهمة في هذا أن الأمر تتعلق بإنتاج الوقود “، وهو تراجع واضح وصريحفي موقف الرئيس الأمريكي، الذي تعهد دوما قبل وبعد نجاحه في الانتخابات الرئاسية على عزمه معاقبة السعودية ومسئولين سعوديين على خلفية قضية خاشقجي والحرب في اليمن، كما تعهد في وقت سابق بتحويل السعودية إلى دولة ” منبوذة “، وأيضا وقف صادرات الأسلحة إلى الرياض، كما أمر بسحب منظومة باتريوت من السعودية.

(*) زيارة مدير المخابرات المركزية الأمريكيةCİA  ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في جدة: وكانت تلك الزيارة على قدر كبير من السرية، كما أفاد عدد من وكالات الأنباء بأن مدير المخابرات المركزية الأمريكية وليام بيرنر التقى بشكل سري مع ولي العهد السعودي كجزء من جولة إقليمية قام بها مؤخرا، وكما وصفتها وكالات الإعلام بأنها ” من أحدث المحاولات الأمريكية لمناشدة السعودية ” حول النفط، بالتزامن مع الارتفاع المستمر في أسعار الوقود في الدول الغربية عموما.بينما كانت أحدث المحاولات بالفعل زيارة بريت ماكغورك، منسق شؤون الشرق الأوسط في البيت الأبيض، وأموس هوتشستين، مستشار الخارجية الأمريكية لشؤون الطاقة وصلا السعودية، الثلاثاء 24 مايو، لعقد اجتماعات مع مسئولين سعوديين كبار.

(*) تسليم سعد الجبري: فقد تواردت تقارير على مدار الأيام الماضية عن طلب سعد الجبري التسوية مع السلطات السعودية، وإنهاء المعركة القانونية وتسوية الالتزامات المالية بينهما، مقابل إطلاق سراح أفراد من أسرته. ويري محللون أن واشنطن هي من ساهمت في هذه التسوية _ إن تمت _ وستقوم بتسليم الجبري إلى القضاء السعودي للمحاكمة، واعتبروها خطوة من قبل الإدارة الأمريكية لطي صفحة من الخلافات مع الرياض قبل الزيارة.

ويذكر أن سعد الجابري هو مسئول أمني سابق في السعودية، وجهت له السلطات السعودية في وقت سابق تهم بالفساد، كما رفعت ضده قضايا اختلاس في كندا وأمريكا، وهو فيالمقابل اتهم السلطات السعودية بإرسال ” فرقة اغتيال ” لقتله في كندا.

مبررات واضحة:

تعتبر زيارة الرئيس الأمريكي المحتملة إلى السعودية بعد العديد من الخلافات التي تخللت العلاقات السعودية الأمريكية التاريخية زيارة اضطرارية، في إطار جملة من التطورات الملحة التي تتطلب ذلك، ومن ضمنها:

(&) منع التقارب الخليجي مع روسيا: فمنذ بدء الأزمة الأوكرانية ودول الخليج مستمرة في السير على خطى مخالفة للسرب الغربي، والأمريكي خصوصا، بعدما رفضت على إثر خلافاتها مع الإدارة الأمريكية الحالية زيادة إنتاج النفط، لوقف الارتفاع المستمر في الأسعار، وأعلنت التزامها بالكميات المقررة وفقا لاتفاق أوبك، وهو قرار جاء في مصلحة روسيا، المستفيدة من ارتفاع أسعار الطاقة في تمويل حربها في أوكرانيا، ودفع عجلة اقتصادها، وحتى الآن مستمرة السعودية في رفضه. كما وجه الرئيس الروسي مؤخرا دعوة إلى مجلس التعاون الخليجي لعقد قمته القادمة في موسكو، تقديرا لموقف أعضائه بعد رفضهم زيادة الإنتاج. هذا فضلا عن الزيارة التي أجراها وزير الخارجية الروسي في خضم الأزمة الأوكرانية إلى السعودية، والتي اعتبرها البعض استغلالا لأخطاء بايدن تجاه دول الخليج.وبالتالي فإن الزيارة المحتملة ستؤدي إلى ترميم العلاقات السعودية الأمريكية من جديد، بما يضمن مساعدة دول الخليج لواشنطن في أزمة الطاقة الحالية التي ستخدم مصالح بلاده من جهة، وتضغط على موسكو من جهة، كما قد تضمن انضمام الأوروبيين إلى قرار حظر الطاقة الروسية، بعدما فشل الاتحاد الأوروبي في ترميم الحزمة السادسة من عقوباته التي تقضي بحظر الطاقة الروسية خلال ستة أشهر، بعد رفض بعض الدول للقرار تحسبا إلى أزمة البديل الكافي.

(&) عرقلة التعاون مع الصين: وجهت السعودية في وقت سابق دعوة إلى الرئيس الصيني لزيارة السعودية، كما عقدت الرياض وبكين عدة صفقات عسكرية عرفت باسم ” التمساح ” لاستيراد صواريخ باليستية، والولايات المتحدة تريد بالتأكيد أن تكون المحتكر الوحيد لسوق السلاح السعودي، لأسباب تتعلق بمكانتها تاريخيا في المنطقة، وأخرى تتعلق بحجم الإيرادات التي ستعود عليها جراء الصفقات العسكرية مع الرياض.بالإضافة إلى إعلان السعودية نيتها فك الارتباط بين الدولار والبترول فيما يعرف ب ” البترودولار “، والتعامل باليوان الصيني. ناهيك عن أن الولايات المتحدة لا تريد للصين في ظل المنافسة بينهما أن يكون لها مؤطئ قدم في منطقة الخليج، وخاصة على المستوى العسكري، وهو دافع ملح بدرجة قوية على الإدارة الأمريكية، كفيل بجعلها تتراجع عن موقفها المتشدد مع السعودية، لتفادي خروجها من الحظيرة الأمريكية. وتأتي هذه الخطوة في إطار الاستراتيجية الأمريكية لتطويق الصين والحد من نفوذها في الشرق الأوسط، كما تحاول تحجيمها حاليا في آسيا بعد جولة الرئيس الأمريكي بين دول جنوب شرق آسيا، وتعهده بالدفاع عن تايوان ضد أي تهديد عسكري منذ أيام.

(&) ضغوطات مجال الطاقة: فقد أدت الأزمة الأوكرانية، ورفض دول الخليج زيادة الإنتاج إلى ارتفاع أسعار الطاقة على مستوى العالم، وكان من بين الأكثر تضررا الدول الأوروبية، مما دفع بعض الدول إلى السير منفردة للبحث عن بديل للطاقة الروسية لتأمين احتياجاتها من النفط والغاز، مثل ألمانيا بعد زيارة الأمير تميم أمير قطر إلى ألمانيا، من أجل تعزيز الشراكة في مجال الطاقة وتوريد الغاز، في خطوة إضافية لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي. كذلك إيطاليا، التي وقعت اتفاقا مع الجزائر من أجل توريد الغاز. الأمر نفسه بالنسبة إلى تركيا، التي استقبلت الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، وتم توقيع العديد من معاهدات الشراكة والتعاون، وبالتأكيد لن تخلو من الحديث عن الغاز الجزائري، وحاجة تركيا إليه في الفترة الحالية والقادمة. كما يعتبر ملف الطاقة ملفا مؤرقا لواشنطن نفسها بسبب موجه ارتفاع أسعار الوقود، خاصة بعدما حظرت الطاقة الروسية.

وبناءا على ذلك، ستعمد الولايات المتحدة إلى امتصاص الغضب السعودي من الإدارة الأمريكية من خلال تدعيم الدفاعات السعودية للتصدي للهجمات الحوثية، كما قد تحاول طي ملف قضية الصحفي جمال خاشقجي، ولو مؤقتا، خاصة وأن القضية كان يتم النظر فيها في تركيا، والسلطات التركية نفسها أحالتها إلى القضاء السعودي، من أجل تصحيح مسار العلاقات السعودية التركية.

وفي النهاية، بمكن القول إن الإدارة الأمريكية من المحتمل أن تكون تخطط بالفعل إلى زيارة السعودية، بالتزامن مع حجم الضغوطات الكبيرة على إدارة بايدن داخليا وخارجيا قبل موعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، وبالتالي الفترة القادمة قد تشهر تطورا ملحوظا في العلاقات بين الطرفين، إلا أن هذه الزيارة نفسها قد تؤجل بسبب الاضطرابات التي تشهدها الحكومة الإسرائيلية الحالية، والمهددة بالحل على إثر انسحاب نائبة من الائتلاف الحاكم، ليخسر بذلك الأغلبية التي ألف بينيت الحكومة بناءا عليها، مما يشير إلى احتمالية تشكيل حكومة جديدة بعد أقل من عام على تولى الحكومة الحالية السلطة. حيث كان من المخطط أن تتم زيارة السعودية بعد ذلك.

ولكن، قرار الرئيس الأمريكي النهائي بزيارة السعودية لن يمر مرور الكرام في الداخل الأمريكي، لا من وسائل الإعلام التي بدأت بالهجوم على الإدارة الأمريكية فور ورود تقارير عن احتمالية الزيارة، وواجهت الرئيس بتعهداته السابقة. ولا من الكونجرس الأمريكي الذي أبدى بعض أعضائه فور صدور التقارير رفضه للزيارة أيضا، والتودد المتبادل بين مسئولي واشنطن والرياض في الفترة الأخيرة. وبالتالي فإن بايدن أمام اختبار في غاية الصعوبة، فهو مخير بين الخضوع لعقائده وحزبه وتعهداته السابقة، وبين الضغوط التي فرضتها البيئة الدولية، وهذا كله بالتزامن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وبداية الاستعداد لها، والفترة القادمة كفيلة لتوضيح أي الخيارات التي سيلجأ إليها بايدن، المبادئ الأمريكية أم المصالح ؟.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى