انعكاسات انسحاب “مالي” من مجموعة دول الساحل الخمس

أحمد عفيفي-باحث بوحدة دراسات الأمن الإقليمي

أعلنت السلطات المالية الأحد 15 مايو 2022 انسحابها من مجموعة دول الساحل الخمس ومن قوّتها العسكرية لمكافحة المسلحين، احتجاجا على رفض توليها رئاسة هذه المنظمة الإقليمية والتي تضم موريتانيا وتشاد وبوركينا فاسو والنيجر، وعللت باماكو هذا الانسحاب بسبب رفض إحدى دول المجموعة تولى باماكو للرئاسة الدورية للمجموعة، وفق بيان الحكومة، وبالتالي فالأمر لم يقتصر فقط على تجميد العضوية، وإنما قرار نهائي بالانسحاب. وعليه، سيناقش هذا التحليل أسباب ومبررات انسحاب مالي من مجموعة الدول الخمس، والتداعيات التي سيؤدي إليها هذا القرار المفاجئ من قبل السلطات المالية.

يذكر أن مجموعة دول الساحل الخمس تشكلت في العام 2014، كما أطلقت قوتهاالعسكرية لمكافحة المسلحين في العام 2017. ومنذ التاسع من يناير الماضي، تخضع دوله مالي لسلسلة منالتدابير الاقتصادية والدبلوماسية فرضتها دول المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا، ردا على توجه المجلس العسكري الحاكم للبقاء في السلطة لسنوات عدة بعد انقلابين شهدتهما البلاد في أغسطس 2020 ومايو 2021.

انسحاب مبرر:

يبدو أن انسحاب مالي المفاجئ من مجموعة الدول الخمس كان مدفوعا بمجموعة من المبررات، ومن ضمنها:

(*) انسحاب القوات الفرنسية من مالي: اعتبر البعض أن تصرف السلطات المالية جاء ردا على انسحاب فرنسا من أراضيها، وبقرار يوصف بالأحادي، وذلك بالخروج من جميع التحالفات والاتفاقيات التي تري فيها السلطة المالية أنها بمثابة تحالف مع فرنسا، كما اتهمت مالي الدول الأعداء في المجموعة بتحالفهم وارتباطهم بالدول الغربية، مما زاد من حالة التوتر وعدم الاستقرار بين دول المجموعة، كما أرفقت السلطات المالية قراراً الانسحاب بمجموعة من القرارات المسبقة، كإلغاء اتفاقيات الدفاع مع فرنسا ” اتفاق وضع القوات سوفا”، وكافة الاتفاقيات التي تحدد إطارا قانونيا أو سياسيا أو عسكريا لوجود قوتي برخان الفرنسية وتاكوبا الأوروبية داخل الأراضي المالية، إضافة إلي إلغاء اتفاقية التعاون الدفاعي المبرمة في 2014 بين مالي وفرنسا.

هذا إلى جانب الاتهامات المتبادلة بين السلطات المالية والحكومة الفرنسية بشأن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية،  وجهتها مالي بخصوص اختراق الطيران الفرنسي للمجال الجوي المالي، فضلا عن اتهامات بالتجسس، والمساس بالسيادة الوطنية، وهو ما اعتبره البعض حملة ممنهجة ضد الوجود الفرنسي في مالي، وذلك عقب اتهامات فرنسية لحكومة مالي بالتعاون مع فاجنر لنشر اتهامات ملفقة ضد القوات الفرنسية بارتكاب جرائم حرب، إضافة إلي قيام السلطات المالية بطرد السفير الفرنسي “جويل ماير” بعد تصريحات معادية وغاضبة من قبل مسئولين فرنسيين ضدها، كما أصدرت السلطات المالية مذكرة استدعاء بحق وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لورديان ونجله توماس ليمثلا أمام المحكمة في باماكو في قضية “اعتداء على الممتلكات العامة”.

وتعليقا على قرار الانسحاب؛ وصفه الاتحاد الأوروبي بأنه أمر ” مؤسف “، كما اعتبرته فرنسا “غير مبرر”، وعلقت أيضا وزارة الخارجية الفرنسية انسحاب مالي من مجموعة دول الساحل الخمس، ورأت أنه يعكس “عزلة” المجلس العسكري الحاكم في باماكو،وأعربت عن “أسفها” لهذا القرار الذي “يقوض الجهود الإقليمية لمحاربة الإرهاب”.

ناهيك عن توتر العلاقات المالية بالدول الغربية نتيجة لتقاربها مع تقربها من روسيا، بعد استضافة العديد من القوات الروسية والقواعد العسكرية على أراضيها.

(*) التقارب مع روسيا: وظهر ذلك من خلال اهتمام المجلس العسكري المالي بالتعاون مع قوات فاجنر الروسية، والتي تنتشر قواتها حاليا في وسط إفريقيا ومالي، وبدت العلاقات بين السلطات المالية والحكومة الروسية مؤخرا وثيقة بعض الشئ، واتضح ذلك من خلال تبادل الخبرات العسكرية والتدريبية للجيش المالي، وإرسال روسيا شحنتين عسكريتين في سبيل مساعده السلطات المالية على محاربه الجماعات المتطرفة، كما عمدت موسكو إلى على الحفاظ على العلاقات الوثيقة مع حلفائها وعدم تأثرها بالحرب المندلعة في أوكرانيا، وهذا كله في إطار المحاولات الروسية لتغيير شكل التحالفات وموازين القوى الروسية، والعمل على إنهاء العالم النظام أحادي القطبية، بالإضافة إلى إحكام الإغلاق على النفوذ الغربي في أفريقيا، وهو ما ظهر في زيارة قائد القوات الجوية المالي إلى موسكو مع بدايات العمليات العسكرية في أوكرانيا لتزويد بلاده بمعدات عسكرية، من أجل سد الفراغ الذي يتركه الانسحاب الغربي من البلاد، وهو ما انعكس على امتناع مالي ضمن 35 دولة عن التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في مارس الماضي لإدانة العملية العسكرية الروسية على أوكرانيا.

تداعيات الانسحاب:

من البديهي أن يظهر عقب قرار انسحاب مالي من المجموعة بعض التبعات على مستويات مختلفة، ولعل أبرزها يكمن في الآتي:

(&) تغير في شكل التحالفات: وهذا بالنظر إلى الرؤية الروسية التي تتبعها بالقضاء علي العالم أحادي القطبية، وذلك من خلال تعزيز الدوافع الاقتصادية الروسية في شمال ووسط دول إفريقيا، وتطوير شكل التعاون الاستراتيجي والعسكري، تحجيما وسيطرة النفوذ الغربي. وفي المقابل يتوقع أن تتجه الدول الأوروبية نحو فرض مزيد من العقوبات بالتعاون مع المؤسسات الاقتصادية في غرب أفريقيا، في محاولة لتغيير شكل الحكومة الحالية التي تعارضها، وذلك عقب سلسلة الانقلابات الأخيرة التي شهدتها مالي بوركينا فاسو وغينيا، إما بدعم الانتقال السلس للسلطة أو الدعم الخفي لبعض الجماعات الموالية، هذا إلى جانب تعزيز التواجد العسكري الغربي، حتى لا تترك الساحة خالية أمام سيطرة قوات فاجنر على المناطق الاقتصادية.

وبالتزامن مع زيارة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى الجزائر للتفاوض بشأن الغاز الجزائري، من المتوقع أن تكون المناقشات قد تطرقت إلى ملف دول الساحل والصحراء أيضا، نظرًا للقرب الحدودي والتأثير المباشر للجزائر في المنطقة، وبالتالي فإن اتباع روسيا سياسة منع فرض العقوبات الغربية أو التصدي لها ستلقي رواجًا لدى العديد من دول التجمع، مما سيدفع نحو مزيد من التنسيق الجزائري الروسي بشأن العملية السياسية في مالي مع الحفاظ على شكل الحكم الحالي الذي يدين بالولاء لروسيا، في ظل الدعم الشعبي له والذي ظهر مؤخرًا في تجمع مئات الماليين في باماكو لدعم المجلس العسكري، بالتزامن مع انتشار الأعلام الروسية بينهم منددون بالعقوبات التي فرضها تجمع دول غرب أفريقيا الاقتصادي.

(&) تفكك محتمل: بناءا على تلك الأوضاع، يمكن التأكيد على احتماليه تفكك تجمع دول الساحل بسبب السيطرة الفرنسية علي المجموعة، كما يمكن ربط هذا الأمر بتغير شكل الحكم في المنطقة، مما دفع الأمم المتحدة وأوروبا والولايات المتحدة إلى رفض الانقلابات التي حدثت في مالي، وكذلك بوركينا فاسو بجانب تشاد وموريتانيا التي غيرت الانتخابات فيها شكل الحاكم، وأيضا النيجر التي لن تتخلى عنها فرنسا بسهولة، وهو ما يضعنا أمام تفكك الهدف الذي أنشئ التجمع من أجله، وأصبح الاحتمال أقرب بعد الانسحاب الأحادي من دولة مالي من تجمع دول الساحل الذي تشكل على أساس تعزيز روابط التنمية الاقتصادية والأمن، ومحاربة تهديد الجماعات الإرهابية المنتشرة في هذه المنطقة، كتنظيم داعش ونصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة، كذلك المرابطون وبوكو حرام.

وفي الختام، يمكن القول إن قرار السلطات المالية بالانسحاب من تجمع الدول الخمس يعني ازدياد عزلة مالي سياسياً وعسكرياً أكثر من ذي قبل، خاصة بعد العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من “إيكواس”، ما يجعلها أكثر تعويلاً على روسيا، التي وجدت في مالي موطئ قدم جديدا واستراتيجيا في أفريقيا. مع العلم أن هذا الافتراق بين مالي والمجموعة الساحلية قد يكون له تداعياته الأمنية، ليس فقط لجهة محاربة الإرهاب، بل في تبادل المعلومات المتعلقة بعمليات التهريب والاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية إلى أوروبا، باعتبار أن مالي نقطة أساسية ينتقل منها المقاتلون المتطرفون إلى الدول المجاورة، ومنها أيضاً إلى الجزائر وليبيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى