حسابات تركية: من يكسب من اعتقال زعيم “داعش” الجديد؟

في الـ 26 من مايو الجاري أعلنت بعض وسائل الإعلام عن اعتقال قوات الأمن التركية عبر عملية أمنية باسطنبول، لـ زعيم تنظيم “داعش” أبو الحسن القرشي، الذي لم يمض على توليه زعامة التنظيم أكثر من 30 يوماً.

اعتقال أبو الحسن القرشي، جمعة عوض البدري، الزعيم الثالث للتنظيم، والشقيق الأكبر للزعيم الأسبق لداعش أبو بكر البغدادي، حياً وبعد مدة قصيرة من مقتل أبو إبراهيم القرشي الزعيم الثاني لـلتنظيم” حسب ما أعُلن من قبل الرئيس الأمريكي “جو بايدن” في الثالث من فبراير الماضي-  يطرح العديد من التساؤلات لعل أهمها: هل يُعد اعتقال زعيم “داعش” من قبل تركيا مكسب لصالح ملف مكافحة الإرهاب؟، ومن سيجني مكاسب السيطرة على الصندوق الأسود لداعش، خاصة وأن تركيا رفضت من قبل المشاركة في التحالف الدولي لمواجهة “داعش”؟، وما هي انعكاسات هذه التطورات على الوضع الأمني في سوريا والعراق؟.

مخزن المعلومات الاستراتيجي:

المتبادر إلي الذهن منطقياً أنه بمجرد القبض علي زعيم “داعش”، وهو على قيد الحياة، يعنى قطع خطوات كبيرة لصالح ملف مكافحة الإرهاب، وذلك للأسباب التالية:

(*) أبو الحسن القرشي، الذي تم اعتقاله، يمثل مخزن استراتيجي لمعلومات التنظيم، وهو ما يعني تنوع المعلومات التي لديه، التي ربما تتسع لتشمل كافة شئون التنظيم منذ نشأته.

(*) بالقراءة في خلفية القرشي، نجد أنه انضم للجماعات المتطرفة في العراق عام ٢٠٠٣، مما يشير إلى أن القبض عليه سيكون مكسب لصالح تقويض أو تحجيم الفكر المتطرف والعمليات الإرهابية.

(*) القرشي كان رئاسة مجلس شورى الجماعة لفترة طويلة، مما يمكن من خلال استجوابه الحصول على معلومات مهمة عن كيفية إدارة التنظيم في هذا الشأن.

(*) القرشي، وفقا لفريق مراقبة العقوبات التابع للأمم المتحدة، هو المسئول عن ملف التمويل، مما يشير إلى إمكانية الحصول على معلومات من خلاله في هذا الشأن، وهو ما قد يفيد في تجفيف منابع تمويل التنظيم.

مما سبق؛ يمكن التأكيد أنه رغم أهمية المعلومات التنظيمية والمخابراتية التي لدى الزعيم الثالث للتنظيم، والتي ربما إذا استغلت بطريقة صحيحة وعاجلة ستكون في صالح ملف مكافحة الإرهاب- إلا أنه قد يتعذر استخدامها أو حتى كشفها، وذلك للأسباب التالية:

(&) بالنظر إلى الجهة التي اعتقلت زعيم تنظيم “داعش” وهي تركيا، ليس من مصلحتها مكافحة التنظيم. الجدير بالذكر أن تركيا، رفضت عدة مساعي من الجانب الأمريكي للمشاركة في التحالف الدولي لمكافحة داعش، حتى مع وجود حالة من السخط من قبل بعض المسئولين الأتراك والمواطنين تجاه سياسات تركيا في هذا الملف.

(&) يُعد أبو الحسن القرشي، ليس الأول من قادة “داعش” الذين اعتقلتهم تركيا، فقد اعتقلت السلطات التركية رسمية عواد أخت أبو بكر البغدادي، وزوجها، وزوجة ابنها منذ ٢٠١٩، كما اعتقلت إحدى زوجات البغدادي، وغيرهم من عناصر تابعة لداعش، ولم تستغل السلطات التركية المعلومات التي حصلت عليها منهم في محاربة داعش.

(&) كما تشير اتهامات من معارضين داخل تركيا فضلا عن تقارير دولية، إلى أن المنطقة الحدودية التركية هي المخبأ الآمن لعناصر بارزين لـ “داعش”، وهي المنطقة التي اعتقل منها زعيم داعش الحالي، لتصدير أوهام للمجتمع الدولي، بأن النظام التركي يحارب الإرهاب، فضلا عن تلقي بعض عناصر “داعش” العلاج داخل مستشفيات تركيا.

مما سبق، يتضح أن السلطات التركية لن تستغل المعلومات التي ستحصل عليها من زعيم داعش المعتقل لمحاربة التنظيم، والسؤال لماذا اعتقلت القرشي؟، وما الفائدة التي ستحققها من المعلومات التي ستحصل عليها؟.

استغلال متعدد:

من جانب؛ إيصال رسالة للمجتمع الدولي بصدق النوايا التركية لمحاربة الإرهاب بعد اتهامات طالت النظام التركي من داخل تركيا وخارجها بدعم الإرهاب وتمويله وتوفير الملاذات الآمنة لعناصره، خاصة تنظيم داعش وجماعة الإخوان المسلمين.

ومن جانب آخر؛ أنها وهنا المقصود السلطات التركية، باعتقالها لـ زعيم “داعش” أبو الحسن القرشي، تكون قد حصلت على صندوق معلومات استراتيجي، يمكنها من تحقيق أطماعها في العراق وسوريا بمساعدة التنظيم والتحالف مع عناصره، خاصة وأن كل التقارير والمؤشرات تؤكد أن تركيا أكبر مصدر للمقاتلين في صفوف داعش وفقا للنيويورك تايمز، كما أنها شكلت أكبر عائق للخطط الأمريكية لبناء تحالف ضد تنظيم الدولة وفقا لرويترز، لذا فتواجد نشاط “داعش” في المنطقة يخدم مصالح تركيا.

بناء علي ما سبق؛ ستسعي تركيا لتوظيف المعلومات التي ستحصل عليها لاستهداف حزب العمال الكردستاني سواء في العراق أو سوريا، خاصة أن الحزب عدو مشترك لتنظيم الدولة وتركيا، ويعوق الأطماع التوسعية للجانبين، فالتعاون في هذا الشأن سيسفر عنه نتائج أفضل للعمليات التي أطلقتها تركيا لاستهداف حزب العمال في العراق، بهدف إقامة منطقة عازلة علي الشريط الحدودي، وتتذرع تركيا باتفاقية موقعة في عهد صدام حسين تتضمن الملاحقة لمسافة ٥ كيلومترات، ولكن تركيا تعدت إلي مسافة ٤٠ كيلومترات، وتموضعت علي الأراضي العراقية علي طول الحدود منذ أكثر من عشر سنوات، بما يخالف الاتفاقية لتحقيق أهدافها التوسعية في المنطقة.

إضافة لما سبق؛ تسعي تركيا لشن عملية جديدة شمال سوريا للسيطرة على عمق ٣٠ كيلومترا من سوريا على طول الحدود على امتداد ٤٦٠ كيلومترا، وسوف تستخدم المعلومات والوثائق التي ستحصل عليها من زعيم داعش لتحقيق أهدافها بدقة وبأقل خسائر، نظرا لأن تنظيم “داعش” على خبرة عالية بطبيعة المنطقة الحدودية من الناحية الجغرافية والاستخباراتية، وربما يتحالف الجانبين لتحقيق الهدف نفسه بمساعدة عناصر من التنظيم.

في ذات السياق؛ سوف تستغل تركيا انشغال روسيا وأمريكا بالحرب الأوكرانية والتحالف مع داعش ضد قوات قسد للقضاء عليها، حيث أسهم هروب الكثير من عناصر داعش من سجن غويران بالحسكة، بفعل هجمات التنظيم في الآونة الأخيرة على السجن- إلى تسهيل تحقيق الهدف المشترك لداعش وتركيا في القضاء على قوات قسد.

كما تسعي تركيا للحفاظ على سيطرتها على المنطقة من رأس العين في سوريا حتى عفرين بعد القضاء على تنظيم “بي كاكا” الكردي بموجب عملية غصن الزيتون التي أطلقتها القوات التركية منذ أربع سنوات، وربما تستعين بمعلومات وخبرات زعيم داعش المعتقل في هذا الشأن.

تأكيدا لما سبق؛ فقد قام جهاز الاستخبارات التركي بعملية اعتقالات واسعة داخل سوريا العام الماضي، حيث اعتقل شخصين من عناصر “داعش” يدعيان “أورهانموران” و”مصطفي فليجلي”، كما ألقت القبض على القيادي في التنظيم “قاسم غولر”، وعثرت القوات حينها على وثائق تنظيمية ومعلومات سرية عديدة، ولم تستخدمها القوات التركية لاستهداف داعش، وربما ساعدتها تلك الوثائق على استهداف مواقع كردية سواء وحدات حماية الشعب الكردي في سوريا أو حزب العمال الكردستاني في العراق.

أخيرا؛ الرهان على نية النظام التركي بمحاربة تنظيم “داعش” رهان خاسر، فوفقاً للمقربين فإن “تركيا” و “داعش” لديهما أهداف متشابهة، كما أن التحالف بينهم، هو الواقع الأصلح للجانبين وفقا للمعطيات الحالية، وعندما تتغير المعطيات وتتضارب المصالح حينها سيسعى النظام التركي لمحاربة التنظيم.

 

أسماء دياب

-رئيس برنامج دراسات الإرهاب والتطرف. -باحث دكتوراه في الشريعة الاسلامية . - حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة. - كاتبة في العديد في الصحف والمواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى