هل خسر “حزب الله” الانتخابات اللبنانية؟

نورا فايد- باحثة ببرنامج دراسات الخليج العربي.

تنهال الضربات على نظام الملالي واحدة تلو الأخرى، فبعد خسارة حلفاؤه في العراق للانتخابات النيابية  العراقية في أكتوبر الماضي؛ فإن نتائج الانتخابات اللبنانية التي انعقدت في 15 مايو الجاري، جاءت لتشكل صفعة قوية لنظام الوالي الفقيه والموالين له في لبنان، إذ كشفت عن خسارة حزب الله المدعوم من إيران وحلفاؤه للغالبية النيابية في البرلمان اللبناني الجديد، إذ أعلن «بسام المولوي» وزير الداخلية اللبناني صباح يوم 17 مايو الجاري، حصول حزب الله وحلفاؤه على 62 مقعدًا من إجمالي 128 في البرلمان، ما يعني فقدهم  للأغلبية داخل البرلمان.

وفي الوقت ذاته، عكست نتائج تلك الانتخابات التي تأتي بعد سلسلة من الأزمات تعرضت لها البلاد منذ عامين عن رغبة الشعب اللبناني في التخلص من السيطرة الإيرانية على الطبقة الحاكمة والتي أدخلت البلاد في أزمات سياسية واقتصادية، كان آخرها إعلان لبنان لإفلاسها المالي مطلع أبريل الماضي وغياب المساءلة عن تفجير مرفأ بيروت في أغسطس 2020 والمتهم الأول فيه “حزب الله”، والذي أودى بحياة أكثر من 200 شخص، فضلًا عن تدمير منازل ومؤسسات تجارية بالعاصمة اللبنانية بيروت، ولهذا فإن اللبنانيين قالوا، إن “الصناديق الانتخابية أكدت أن الرابح هي “ثورة 17 تشرين الأول (أكتوبر)”.

ومن الجدير بالذكر، أن الجماعات المدعومة من إيران حاولت كسب الأصوات بالطرق كافة، ولذلك قام عناصر ميليشيا حزب الله باعتداءات ضد مراكز الاقتراع وطواقم المعارضة، لا سيما في البقاع، وزحلة، والجنوب، هذا بجانب تزوير أصوات الناخبين، إذ كشفت الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات (LADE) –  إنهم وثقوا 3600 انتهاك، وكعادة حزب الله في استعراض قوته النارية خلال العملية الانتخابية، فإن مجموعة من الشبان على دراجات بخارية توجهوا إلى ساحة الشهداء ليلا وأحرقوا “قبضة الثورة”.

خسارة مدوية:

وكشف المشهد اللبناني هذه المرة عن الخسارة المدوية التي حصدها “تيار المقاومة” (حليف النظام الإيراني)، ومن أبرزهم، حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر، خاصة أنه في انتخابات 2018، حصل الحزب وحلفاؤه على 71 مقعدًا، وهو ما دفع بلبنان للدوران في فلك إيران التي يقودها الشيعة، هذا بجانب أن تلك الانتخابات نجم عنها ضربة أخرى للتيار الشيعي متمثلة في خسارة  «طلال أرسلان» رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني وأقدم السياسيين المتحالفين مع حزب الله.

في حين تمكن حزب القوات اللبنانية المسيحي برئاسة «سمير جعجع» من انتزاع الأغلبية النيابية المسيحية بـ 19 مقعدًا من “التيار الوطني الحر” (ممثل حزب الله في الشارع المسيحي) بزعامة رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي حصل على 17 مقعدًا.

ورغم ذلك، فإن بعض الحركات التابعة لتيار المقاومة تمكنت من الحفاظ على تمثيلها الشيعي، حيث فاز كل من حزب الله وحركة أمل التي ينتمي إليها رئيس البرلمان اللبناني «نبيه بري» بالمقاعد المخصصة للشيعية المكونة من 27 مقعداً في البلاد،  بينما خسر  بعض حلفاؤهم مقاعد شيعية في عدد من الدوائر الانتخابية.

وفاز مرشحون من (الكتلة التغيرية) المجموعات المدنية المستقلة المنبثقة عن التظاهرات الاحتجاجية ضد  النظام الحاكم التي شهدها لبنان قبل أكثر من عامين، بـ13 مقعداً في البرلمان الجديد، وهذا سيدفعهم لتشكيل كتلة موحدة مع  نواب آخرين مستقلين عن الأحزاب التقليدية في البرلمان، يمكن أن تؤثر على ديناميكيات البرلمان المجزأ بشدة، في بلد يقوم نظامه السياسي على المحاصصة الطائفية، وبناء عليه، قال المرشح المستقل في جنوب لبنان «فراس حمدان»، “سنتعاون مع كل الفائزين الذين يشاركوننا نفس التوجه السياسي وعلينا ان نضع خطة عمل مشتركة”.

انعكاسات المشهد اللبناني:

وما تقدم، يعني أن تلك النتائج التي جاءت نسبة الإقبال فيها ضعيفة إذ بلغت 41%؛ ستلقي بظلالها على المشهد السياسي اللبناني وستؤثر  بشكل جذري على تشكيل كل من البرلمان والحكومة، فإما أن تدفع بلبنان إلى الاستقرار وتحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية وإعادة بناء الدولة بجميع مؤسساتها وهيئاتها، أو أن تدخل لبنان في دوامة من الصراع والعنف لتصل في النهاية إلى طريق مسدود، ولهذا فإن التساؤلات التي تطرح نفسها، كيف سيرد حزب الله وحليفه الإيراني على خسارتهم للأكثرية في الانتخابات اللبنانية؟، وكيف سيكون شكل الحكومة اللبنانية القادمة؟.

وللإجابة على تلك التساؤلات، تجدر الإشارة أن خروج  زعيم التيار السني «سعد الحريري» من المشهد السياسي في لبنان، ساهم في حصول معظم النواب الإصلاحيين الجدد على عدد كبير من الأصوات بدلا من حزب الله، وعليه، فإن هناك انعكاسات محتملة لما ستكون عليه لبنان خلال الفترة المقبلة، كما يلي:

(*) برلمان التحالفات: من المتوقع أن يقوم المرشحين المعارضين والمستقلين بتشكيل عددًا من الكتل ضمن المجلس النيابي اللبناني، تحمل مشروعاً واضحاً في مواجهة “حزب الله” وترسانته العسكرية، في حين سيحاول حزب الله وحلفاؤه التوصل لاتفاق لاقتسام السلطة بتوزيع المناصب الكبيرة في الدولة، خاصة أن البرلمان الجديد سيكون أمامه عدة استحقاقات، أولها، انتخاب رئيسًا للبرلمان الجديد ثم تكليف رئيس للحكومة ثم المضي قدمًا في إجراء الانتخابات الرئاسية في وقت لاحق من العام الحالي، هذا بجانب العمل مع المؤسسات الدولية لتدشين خطط لإنقاذ الاقتصاد اللبناني، وسيحدث كل ذلك وسط انقسامات عميقة، ومستوى تمثيلي منخفض، مما سيؤثر بشكل سلبي على المشهد السياسي اللبناني.

(*) تشكيل الحكومة: ستؤثر الانقسامات التي ستحدث داخل البرلمان الجديد على تشكيل الحكومة اللبنانية القادمة، إذ أن المفاوضات التي ستشهدها تلك الحكومة والتي سيحاول “حزب الله” عرقلتها بجميع الطرق سواء باستقواءه بترسانته التسليحية أو شحنه للأجواء السياسية للبلاد ليبقي على تشكيل حكومي هش، مما سينعكس بشكل سلبي على المسار السياسي والاقتصادي في لبنان، وهو ما قد ينجم عنه جمود سياسي متمثل في صعوبة تشكيل الحكومة الجديدة، أو  تفاقم الأزمة الاقتصادية.

(*) تهديدات حزب الله: بعد نشر نتائج الانتخابات ومعرفة الحزب بخسارته للأغلبية، بعد رجال الحزب كعادتهم في توجيه تحذيرات لخصومه السياسيين في البرلمان الجديد، جاءت هذه التهديدات على لسان «محمد رعد» رئيس كتلة الوفاء للمقاومة التابعة للحزب، قائلًا، “نتقبلكم خصوما في المجلس النيابي، ولكن لن نتقبلكم دروعا للإسرائيلي ومن وراء الإسرائيلي.. انتبهوا لخطابكم وسلوككم ومستقبل بلدكم.. إذا لم تريدوا حكومة وطنية فأنتم تقودون لبنان إلى الهاوية وإياكم أن تكونوا وقود حرب أهلية”، وسبق وأن قال الأمين العام لحزب الله «حسن نصر الله» قبل انعقاد الانتخابات مباشرة، “معركة الحزب في الانتخابات هي معركة حلفائنا، وسنعمل ما في وسعنا من أجل إنجاحهم”.

بالإضافة إلى أن حزب الله قد يقوم بسلسلة من الاغتيالات لمعارضيه حيث سبق واستخدم هذا الأسلوب في الماضي ضد أشد معارضيه هو الناشط اللبناني «لقمان سليم»، هذا وقد يقوم الحزب بتكثيف جهوده اختطاف رئاسة لبنان واستخدام السلاح لإظهار قوته في بيروت، أو القيام بأعمال إرهابية في منطقة الجولان من خلال موالين له بسوريا، خاصة أنه بعد إعلان نتائج الانتخابات مباشرة، كشف الجيش الإسرائيلي،  في بيان له عن رصد وإسقاط مسيرة قال إنها تابعة لحزب الله تسللت من لبنان.

رد الفعل الإيراني:

وبجانب ما تقدم، فإن النظام الإيراني الذي يعتبر الخاسر الأكبر  في لبنان، من المتوقع أن يقوم بأمرين لتعويض خسارته وخسارة حلفاؤها اللبنانيين، وذلك على المستوين السياسي والاقتصادي، كما يلي:

(&) على المستوى السياسي: سيبذل النظام الإيراني كل ما في وسعه لعرقلة تشكيل الحكومة اللبنانية وعرقلة الحياة السياسية اللبنانية، كما هو الواقع في العراق، إذ أن الفائزين بالأغلبية في الانتخابات العراقية بقيادة زعيم التيار السني العراقي «مقتدي الصدر»، لم يتمكنوا حتى الآن من تشكيل الحكومة، بسبب تدخلات إيران والتيارات الموالية لها والتي خسرت الانتخابات العراقية النيابية.

(&) على المستوى الاقتصادي: اتبعت إيران التي تعاني من أزمة اقتصادية خانقة، خلال السنوات الماضية، سياسة التجويع في البلدان التي تدخل فيها، كـ”لبنان، العراق، سوريا، اليمن” حتى تضمن تضيق الخناق عليها من النواحي كافة، ولهذا فإن خسارة الحليف الإيراني اللبناني للأغلبية في الانتخابات، سيدفع بطهران لتعميق واقع لبنان المأزوم اقتصادياً.

وتأسيسًا على ما سبق، فإن المشهد اللبناني خلال الفترة القادمة سيكون أكثر  تأزمًا وتعقيدًا، إذ أن إيران وحلفاؤها في الأراضي اللبنانية، لن يتقبلوا تلك الهزيمة التي تعد الأولى لهم منذ سنوات، بشكل رحب، بل ستسعى تلك الميليشيا للظهور بقوة على الساحة السياسية اللبنانية، خاصة أنها القوة غير الرسمية التي تمتلك “ترسانة سلاح ضخمة” وهو ما يشكل تهديدًا للدولة اللبنانية.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى