ماذا يحدث في العراق بعد انسحاب القوات الأمريكية؟

 انتهى الحوار الاستراتيجي بين “واشنطن” و”بغداد”، فى جولته الرابعة الـ 23 يوليو2021، بقرار الانسحاب الأمريكي من العراق، وتناولت تلك الجولة مستقبل العلاقات بين البلدين وفى مقدمتها ملف التواجد العسكري الأمريكي فى الدولة العربية، حيث تم الإعلان بعده عن انتهاء كافة الأعمال القتالية بحلول نهاية ديسمبر 2021، على اعتبار أن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة قد انتصر في حربه ضد تنظيم “داعش”.

 ويثير انسحاب القوات الأمريكية العديد من التساؤلات حول تداعياته على الأوضاع الأمنية فى العراق، خاصة فى ظل عدم استقرار العراق وتزايد النفوذ الإيراني وبقاء تنظيم داعش، خاصة وأن قرار الانسحاب المنتظر تنفيذه سيتزامن مع الانتخابات التشريعية المقبلة، وما تثيره من تعقيد الوضع السياسي والأمني، كما يأتي هذا الانسحاب في الوقت الذي تشهد فيه أفغانستان صعود حركة طالبان للسلطة بعد الانسحاب الأمريكي منها، مما قد يكون حافز لعودة نشاط تنظيم داعش.

وتأسيسا على ما سبق، يناقش هذا التحليل تداعيات الانسحاب الأمريكي على الوضع الأمني فى العراق، من خلال فهم دوافع تعجيل الانسحاب والمهام التى تقوم بها القوات الأمريكية فى تأمين العراق، وفقا لاتفاق الانسحاب، ومدى تأثير الانسحاب على قدرات الجيش العراقي والفصائل المسلحة وتنظيم “داعش”، مع إلقاء الضوء على الدول الإقليمية والدولية التي تسعي لملء الفراغ الأمريكي.

انسحاب مُعجل:

على الرغم من مناقشة الانسحاب الأمريكي على مستويات مختلفة فى العراق، وإصدار البرلمان العراقي قرار في يناير 2020 يدعو إلى خروج القوات الأمريكية، إلا أن عملية الانسحاب تزحزحت إلى حينه، نظرا لما يثيره من مخاوف حول عودة تنظيم “داعش” وبسط نفوذ إيران على العراق، فإن هناك عوامل ظلت قائمة ودفعت بتعجيل الانسحاب، أتت بالتزامن مع رغبة الولايات المتحدة فى الخروج من الشرق الأوسط: وهى:

(*) مقتل قاسم سليمانى: حيث أدى مقتل قاسم سليمانى إلى بزوغ تخوفات من زيادة توريط العراق فى الصراع الأمريكي الإيراني، خاصة بعد استمرار استهداف الميليشيات التابعة لإيران للمصالح الأمريكية فى العراق، ويتزامن ذلك مع تصاعد الصراع الأمريكي الإيراني بعد الموقف الأمريكي من البرنامج النووي الإيراني ومسار مباحثات فيينا.

(*) ضغط الميليشيات على الكاظمي: وهنا نشير بالتحديد الميليشيات المدعومة من إيران، والتي كانت تضغط بقوة لإخراج هذه القوات عبر شن هجمات عليها، وتزامن ذك مع الانتخابات البرلمانية المقبلة، والتى يحتاج فيها الكاظمى إلى الدعم من أجل الاستمرار فى السلطة.

استمرارية ومهام استشارية:

لقد حدد الحوار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة الدور الذي ستلعبه القوات القتالية بالعراق حتى يتم الانسحاب فى نهاية ديسمبر المقبل، وهي:

(&) إنهاء المهام القتالية للقوات الأمريكية: وفقاً لبنود الاتفاق، فإنه تم تحويل مهام القوات القتالية للقوات الأمريكية إلى دور استشاري وتدريبي، وتقليص عددها ليصبح (2500) جندي نظامي، بالإضافة إلى عدد محدود من القوات الخاصة، التى تقاتل تنظيم “داعش”.

(&) استمرار التعاون الأمني والاستخباراتي: تضمن الاتفاق أنه وفقاً للرغبة الطرفين، يستمر التعاون الأمن والاستخباراتي بين واشنطن وبغداد، وذلك وفقا لرؤية الطرفين من أجل مساعدة العراق في مكافحة الإرهاب، وتحديداً تنظيم “داعش” خلال المرحلة الجديدة، كما ترى الولايات المتحدة أن استمرار دعم استخباراتها للقوات العراقية، يؤهلها فى فترة تالية لتحجيم التهديدات النابعة من ميليشيات إيران.

تداعيات ممتدة:

وفقا لكثير من المتابعين والمقربين من الشأن العراقي، فإن عملية الانسحاب الأمريكي من الأراضي العراقية سيكون لها تداعيات ممتدة، أغلبها كما وصفها المقربين بالخطرة، ويمكن توضح الأسباب التي تدعم الرؤية الخطرة لعملية الانسحاب، كالتالي:

(*) ضعف الجيش العراقي: يرى مراقبين للأوضاع الداخلية في العراق أن قرار الحاكم المدني الأمريكي”بول بريمر” بحل الجيش العراقي، كان من أشد الضربات التى خلخلت بناء الجيش العراقى، حيث أنه تم تفريغ الجيش من الضباط ذوى الخبرة، ودُمجت عناصر المليشيات فى الجيش الجديد. يُضاف إلى ذلك، أن الولايات المتحدة لم تقم بتشكيل القوات الأساسية للجيش، بل أنها شكلت فرق وألوية مسلحة بأسلحة خفيفة ومتوسطة. وبالتالي وفقاً لهذه الأسباب المذكورة قد يفتقد الجيش العراقي لسلاح الطيران الحربي، فكل العمليات الجوية ضد التنظيمات الإرهابية تقوم بها قوى الطيران الأمريكي.

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه بعد الخروج الأمريكي عام 2011، لم تستطع القدرة البنائية للجيش مواجهة تنظيم “داعش”، الذي تمكن من السيطرة على ثلث العراق، مما أدى إلى إجراء عملية تطوير شاملة للجيش بالتعاون مع قوات التحالف الدولي. وعليه، أصبح لدى الجيش العراقي قوات قتالية نظامية في كافة المجالات، وتم عمل جهاز المخابرات، بالإضافة إلى جهاز مكافحة الإرهاب.

(*) انقسام الفصائل المسلحة: حيث تعانى العراق من انقسامات داخلية عديدة، ولعل أبرزها ما يلي: (1) الانقسام بين القوى الشيعية المناهضة لإيران والموالية لها، وفى مقدمتها الخلاف بين الألوية والفصائل العسكرية ذات المرجعية الدينية فى النجف المنخرطة فى الحشد الشعبي وبين الفصائل الموالية لإيران فى الحشد أيضا. يذكر أن الفصائل الموالية لإيران، شككت فى الانسحاب، بل أنها شنت هجمات على السفارة الأمريكية وأرتال التحالف الدولي فى بغداد وجنوبي العراق بعد عدة أيام من الاتفاق، وهو ما دفع زعيم التيار الصدري فى العراق إلى إعلان وجوب وقف العمل العسكري ضد القوات الأمريكية بعد تحقق شروط انسحابها، وهذا ما يعارض رغبة ميليشيات الحشد الموالية لطهران، والتى كانت ترى ضرورة استهداف القوات الأمريكية حتى تقوم بسحب كافة قواتها، حيث أنها رافضة لوجود القوات الأمريكية حتى لو كانت مهامها استشارية، وهذا يثير القلق من احتمالية قيام الميلشيات الموالية لإيران بالسعي للهيمنة على العراق وإقصاء القوى المناوئة لها. (2) قلق القوى السنية والكردية من الخروج الأمريكي فى هذا التوقيت، يتضح من خلال إصدارهم بيانات رافضة بشكل قاطع لانسحاب القوات الأمريكية من العراق، نظرا لرؤيتها بأن الانسحاب في هذا التوقيت سيدخل العراق فى فوضي بسبب قوة نفوذ ميليشيات الحشد الشعبي وتأكيدها أنه” لا سلطة للحكومة على الميليشيات التابعة لإيران ” والتي حاولت إظهار قوتها من خلال استعراضات بالأسلحة الثقيلة والطائرات المسيرة.

(*) تصاعد التنظيمات الإرهابية: يلاحظ في الشهور الأخيرة تزايد نشاط تنظيم داعش، لدرجة أن عملياته الإرهابية امتدت بالقرب من بغداد، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الهجوم التي قامت به عناصر “داعش” نقطة تفتيش للشرطة الاتحادية فى كركوك سيكون له انعكاسات على حالة الروح المعنوية عند التنظيم خاصة وأنه تم في ظروف ترتيبات عملية الانسحاب.

أطراف بديلة:

(&) على المستوى الإقليمي، يمثل الوجود الأمريكي فى العراق عائقاً لإيران، التي ضغطت كثيرا لإنهائه، وبالتالي فى حالة تحقق الانسحاب ربما تزيد قوة الميلشيات التابعة لإيران، وبالطبع سيقوى النفوذ الإيراني فى العراق. ولذلك تحاول قوى إقليمية أخرى حليفة التواجد بالعراق لإحداث حالة من التوازن، مثل مصر والسعودية والأردن والإمارات، وغيرها من الدول التى شاركت فى قمة الجوار الإقليمي الأخيرة.

(&) أما على المستوى الدولي، يرى بعض المراقبين أن تسعى فرنسا أن تكون بديل للولايات المتحدة فى العراق، كما أن الفراغ الأمريكي سيتيح  لروسيا والصين لعب دور أكبر فى العراق، خاصة وأن روسيا على روابط مع الميليشيات التابعة لإيران.

في النهاية، يمكن القول إن انسحاب القوات الأمريكية من العراق من المحتمل أن يهدد الأمن العراقي، لكن ربما ليس كحالة أفغانستان، وذلك نظرا لضعف قدرات الجيش العراقي خاصة أنه يعتمد بشكل كبير على طيران واستخبارات الولايات المتحدة فى مواجهة تنظيم داعش، هذا بالإضافة إلى أنه ربما يؤدى الانسحاب الأمريكي إلى تصاعد الاحتقان الداخلي بين الميليشيات الموالية لإيران والمناهضة لها والقوى السنية والكردية، وذلك نظرا لتعارض رغبة كل منهما فى الوجود الأمريكي، مما قد يجعل الميلشيات الموالية لإيران تتجه للتخلص من الفصائل المناهضة لها.

ومن المحتمل أن يتصاعد تنظيم داعش فى العراق بعد الانسحاب، حيث توجد الكثير من العوامل المحفزة لصعوده، وأهمها صعود طالبان فى أفغانستان بعد انسحاب الولايات المتحدة، ويجدر القول أيضا إن تزايد النفوذ الإيراني، وتحديدا فى حالة تمكن القوى السياسية الموالية لإيران من تصدر الانتخابات البرلمانية المقبلة، سيخلق حالة من التوتر في العراق ومنطقة الشرق الأوسط عامة.

آية الخطيب

باحثه بوحدة دراسات الأمن الإقليمي ، بكالورويس العلوم السياسية جامعة القاهرة ، باحثة ماجيستير في الدراسات الإفريقية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى