لماذا تجدد التنافس بين “باريس” و”أنقرة” في منطقة الساحل الأفريقي؟

دائما ما تبحث أنقرة عن مكان لها في الساحة السياسية، لكى تتحول من قوة صاعدة إلى قوة إقليمية ذات كلمة مسموعة، وفي سبيل تحقيق تلك الغاية؛ تحاول توسيع نفوذها على حساب قوة إقليمية أخرى، كفرنسا، في مناطق نفوذ تاريخية بالنسبة لباريس، وعلى سبيل المثال منطقة الساحل الأفريقي وجنوب الصحراء، مما خلق تناقض واضح في المواقف، من الممكن أن يؤدي إلى مواجهة محتومة متوسطيا وأفريقيا في المستقبل، وبالتالي سيترتب على ذلك استقطابات وتوترات في العلاقات الدولية، ويؤكد هذا الطرح ما تعكسه وسائل الإعلام الفرنسية، مثل صحيفة ” لوموند ” ومراكز الفكر مثل المعهد الفرنسي للدراسات[i] الدولية، الذي يؤكد قلق باريس من التزايد الملحوظ للوجود التركي في مناطق نفوذ كلاسيكية بالنسبة لفرنسا. وبالتالي سينتقل التحليل إلى طرح مجموعة من الوسائل التي تستخدمها أنقرة في سبيل التموقع الجاد في منطقة الساحل والصحراء، والتي تغذي فكرة التنافس الإقليمي، وحجم الدور الذي من الممكن أن تلعبه، ومدى تأثيره على النفوذ الفرنسي الإقليمي وفي تلك المنطقة.

بداية الخلاف:

البداية كانت منذ العام الماضي، حيث اشتدت حدة المواقف المضادة بين باريس وأنقرة، خاصة في ملفين هما الأهم، وهما؛ الملف الليبي الذي اختلفت فيه مواقف الطرفين،حيث دعمت فرنسا خليفة حفتر، بينما ساندت تركيا حكومة الوفاق الليبية. كذلك ملف الغاز في شرق البحر المتوسط، الذي وقفت فيه باريس إلى جانب اليونان سياسيا وعسكريا، من خلال عقد صفقات الرافال الفرنسية، ثم تطورت المواجهة بين البلدين، وذلك حينما حاولت أنقرة غزو منطقة الشمال الأفريقي، ومنطقة الساحل والصحراء، وهي مناطق معروفة تاريخيا بأنها تابعة للفضاء الفرنسي، وما يغذي هذا التوتر أكثر من الأساس؛ هو استخدام فرنسا لحق الفيتو ضد انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، والاعتراف بإبادة الأرمن.

كيف تتحرك أنقرة في الساحل والصحراء؟:

دائما ما تلجا تركيا إلى القوة الناعمة – حتى وإن كانت مجرد مدخل للتدخل العسكري بعد ذلك- من خلال تقديم المساعدات في المجالات المختلفة، واللعب على عاطفة الرأي العام، كذلك من خلال استغلال القواسم الدينية والثقافية المشتركة مع الدول الأفريقية المسلمة، وعلى سبيل المثال؛ عندما افتتحت سفارات لها في مالى وبوركينا فاسو والنيجر، عمدت إلى استمالة النخب الدينية والسياسية، فضلا عن مساعدة المناطق الأكثر احتياجا، مما ساعدها على العمل في مشروعات البناء والطاقة والتعدين، ومن أهم وسائلها لتحقيق ذلك:

(*) الزيارات والاتصالات الرسمية: نقطة الانطلاق والتحول في مسار العلاقات بين تركيا ودول الساحل والصحراء هي الزيارة التي أجراها وزير الخارجية التركي مولود جاوييش أوغلو في سبتمبر من العام الماضي، فقد كانت الزيارة عبارة عن جولة في مالي عقب الإطاحة بالرئيس كيتا، والسنغال، وسبقهم زيارة لغينيا الاستوائية وتوجو والنيجر، وكللت الزيارة بعدة اتفاقيات تجارية وعسكرية، فضلا عن الزيارة الأخيرة منذ أيام لرئيس برلمان زيمبابوي جاكوب فرانسيس موندا إلى أنقرة، والمكالمة الهاتفية الأخيرة منذ أيام بين الرئيس التركي والرئيس المالي، التي تناولا فيها ضرورة تعزيز العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات.

(*) التعاون العسكري: من المعروف أن التواجد التركي في منطقة معينة لابد أن يكون له جدواه الاقتصادية، إلا أنه لن يخلو من الاستفادة العسكرية أيضا، لذلك وقعت تركيا عدد من الاتفاقات العسكرية مع كل من النيجر ونيجيريا والسنغال وتنزانيا وموزمبيق والصومال، وبدورها أمنت التدريب العسكري للضباط والجنود التابعين لتلك الدول بالكليات العسكرية التركية، فضلا عن بناء عدد من القواعد العسكرية في النيجر والصومال، وتحتوى الأخيرة أكبر قاعدة عسكرية تركية، وذلك بعد تقديمها للصومال مساعدات إنسانية أثناء المجاعة التي تعرضت لها الصومال في 2011، بالإضافة إلى المساعدات التعليمية.

(*) المساعدات الإنسانية: تعمل أنقرة على تقديم المساعدات السنوية لأكثر من 35 دولة أفريقية، إلى جانب المساعدات الطبية لأكثر من 20 دولة، تشمل إرسال الأطباء والعاملين بالمجال الصحي، وتوفير الأدوية، هذا فضلا عن دور مؤسسة ” تيكا ” التي تملك 28 مكتبا في دول القارة الأكثر احتياجا، ونتيجة لذلك؛ فقد أصبحت تركيا تحتل المركز الثالث في حجم الأعمال الخيرية، بعد الولايات المتحدة وبريطانيا.

(*) التبادل الثقافي: يوجد 145 مؤسسة تعليمية ومراكز لنشر اللغة التركية في مقابل اللغة الفرنسية، و 18 سكنا للدارسين تحت إشراف وقف المعارف التركي في مختلف الدول الأفريقية، وتقديم منح دراسية لأكثر من 12 ألف طالبا من 55 دولة، فضلا عن تدريب الدبلوماسيين ضمن برنامج التعليم العالي للدبلوماسيين الشباب، كذلك زيادة عدد الرحلات الجوية إلى 38 دولة. وفي مقابل ذلك قامت بعض الدول بتسليم المدارس التابعة لتنظيم جولن – المحظور في تركيا – إلى وقف المعارف التركي مثل مالي وإثيوبيا وغيرها.

(*) التعاون الاقتصادي والتجار: رغم أن نسبة المساهمة التركية في اقتصاد تلك المنطقة محدود، إلا أنه ازداد بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، فازداد النشاط التجاري مع مالي مؤخرا بأكثر من عشرة أضعاف منذ 2003 وحتى 2020، وما ساعد على ذلك وجود رحلات جوية من إسطنبول إلى باماكو ونيامي ووغادوغو، كما ركزت في النيجر على مشاريع البنى التحتية، وهو ما ساعد النيجر في تجربة استضافة قمة الاتحاد الأفريقي في 2019.

كما تملك تركيا 28 مكتبا للاستشارات التجارية، فقد ازداد حجم التجارة التركي مع دول القارة إلى 26 مليار دولار في 2020، كما تملك 45 مجلسا اقتصاديا بالقارة الأفريقية معنيا بالاستثمار. كما قامت بالتوقيع على اتفاقيات للتعاون الاقتصادي والتجاري مع 51 دولة، و28 دولة لتحفيز وحماية الاستثمارات، فضلا عن اتفاقيات التجارة الحرة مع 5 دول، وإنشاء مجلس العلاقات الاقتصادية والتجارية بين 45 دولة، مما أدى إلى زيادة حجم الاستثمارات التركية، بحوالي 70 مليار دولار.

(*) زيادة التمثيل الدبلوماسي: بالفعل؛ فقد ازداد التمثيل الدبلوماسي التركي في القارة الأفريقية زيادة مطردة، حيث وصل عدد السفارات التركية بالقارة إلى حوالي 45 سفارة، وفي المقابل ارتفع عدد السفارات الأفريقية في تركيا، حتى وصلت إلى 37 سفارة، كان آخرها غينيا بيساو في يونيو 2020.

إعادة تموضع أم تراجع فرنسي؟

عملت فرنسا على تأكيد نفوذها العسكري في منطقة الساحل والصحراء أكثر منذ عام 2013 مع تصاعد التهديدات الإرهابية، وتأثيرها على المصالح الفرنسية هناك، لذا أطلقت فرنسا عملية سيرفال، حتى تحول دون سقوط نظام الحكم، واستعادة الأراضي التي سيطرت عليها الجماعات الإرهابية. ثم بعد ذلك أطلقت في عام 2014 عملية برخان، لمساعدة دول الساحل، وتتمركز في 3 قواعد؛ هي تشاد والنيجر ومالي، لكن رغم ذلك يري بعض المحللين أن الدور الفرنسي في منطقة الساحل والصحراء آخذ في التراجع، خاصة بعد إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن نيته إيقاف عملية برخان، وتخفيف عدد الجنود الفرنسيين في المنطقة، البالغ عددهم خمسة آلاف جندي مع نهاية العام الجاري، وأرجع المحللون هذا التراجع إلى عدة عوامل، أهمها:

(&) الفشل في القضاء على الإرهاب: فرغم نجاح عملياتها العسكرية في استعادة السيطرة على الأراضي التي سبق وأن سيطرت عليها الجماعات الإرهابية، إلا أنها فشلت في القضاء على الإرهاب وتجفيف منابعه طيلة السنوات الماضية، بل أصبحت رقعة التنظيمات الإرهابية حتى 2021 أكثر اتساعا، مما أثار مشاعر الكراهية والعداء لفرنسا من قبل شعوب المنطقة أكثر وأكثر، أو الرأي العام الفرنسي نفسه.

(&) رفض الحوار مع التنظيمات الإرهابية: رغم قبول بعض دول المنطقة إقامة حوار مع التنظيمات الإرهابية ، ومحاولة التوصل إلى تفاهمات معها، مثل بوركينا فاسو، إلا أن فرنسا رفضت ذلك، واشترطت للحوار تسليم الجماعات الإرهابية الأسلحة الموجودة لديها، ومساعدتها في محاربة بقية التنظيمات الأخرى.

(&) الانتخابات الفرنسية في 2022: صوت الرأي العام الفرنسي يصدح مطالبا بانسحاب القوات الفرنسية من منطقة الساحل والصحراء، بدعوى عدم جدوي التواجد هناك في ظل انتشار وخطورة الجماعات الإرهابية، والخسائر المادية والبشرية التي نتجت عن الحرب ضدها، وبالتالي فإن ماكرون يخشي أن يؤدي ذلك إلى تضاؤل شعبيته مع اقتراب موعد الانتخابات.

(&) الانقلابات العسكرية: حيث وقع في الخامس من سبتمبر الجاري انقلاب عسكري على الرئيس الغيني ألفا كوندي، نفذه العقيد مامادي دومبويا الذي تلقي تدريبه العسكري في فرنسا، لذلك اتجهت الأنظار إلى فرنسا كونها من خطط لهذا الانقلاب، باعتبار أن منفذه مقرب من باريس، والحقيقة إنه ليس الانقلاب الأول، مما ألصق سمعة دولية بفرنسا في هذا الصدد، كونها المخطط للانقلابات في القارة، مما أثار سخط الرأي العام في منطقة الساحل والصحراء، والرأي العام الفرنسي، كذلك خرجت أصوات من الاتحاد الأوروبي نفسه تنادي بإنهاء التواجد العسكري الفرنسي في أفريقيا، مثل إيطاليا.

فتواتر الانقلابات العسكرية في القارة الأفريقية متعارف عليه منذ سنوات مضت، ومن المعروف أن الانقلابات العسكرية هي وسيلة لحماية مصالح الدول الغربية في القارة، فبمجرد شعور القوي الموجودة بظهور لاعبين جدد في المنطقة ) روسيا والصين وتركيا حاليا ( يتم تدبير انقلاب عسكري حتي يتولي أشخاص مقربون ومصدر ثقة لدى فرنسا. وفي هذا الصدد لا توجد قوة حاليا تملك خبرة أو مصالح فرنسا في القارة الأفريقية، وبالتالي هي من لديها القدرة على تحريك الانقلابات العسكرية في الدول الأفريقية، وهي ميزة لم تستطع أي قوة الوصول إليها سواء تركيا أو الصين أو روسيا، لذلك فإن كان هناك تراجعا فرنسيا حاليا؛ فهو إما مؤقت لظروف المنطقة وظروف فرنسا الداخلية، أو أنه ليس تراجعا بالمعنى المعروف، وإنما إعادة صياغة وترتيب لتموضعها في منطقة الساحل والصحراء حسب الإمكانيات والظروف المتاحة كما ذكرنا.

والخلاصة؛ إنه رغم التقدم التركي في السنوات الأخيرة في منطقة الساحل الأفريقي والصحراء، ورغم وجود مؤشرات تفيد باحتمالية تراجع الدور الفرنسي في المنطقة، إلا أن التقدم التركي لا يبدو في حقيقة الأمر أنه سيكون مؤثر بدرجة كبيرة، لدرجة أنه سيغير الثوابت التاريخية في المنطقة، والديناميكيات الإقليمية الموجودة بها حاليا، إلا أن القلق لدى الجانب الفرنسي نابع فقط من مجرد وجود طرف آخر أو جولة منافسة جديدة في المنطقة الكلاسيكية بالنسبة لباريس، لأن الأخيرة رغم تكبدها خسائر جمة جراء تواجدها بتلك المنطقة، إلا أنها لن تفرط فيها باعتبارها مصدر نفوذها الدولي والإقليمي بالأساس.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى