حرية الاعتقاد وسلاح الوعي.. في “الجزء الثالث من ومضات على الطريق”.. (عرض كتاب)


تؤدي مؤلفات مؤسسة «رسالة السلام للأبحاث والتنوير» دورًا تنويريًا من أجل تصويب الخطاب الإسلامي ويستعين بها أئمة المساجد في دعوتهم لتصحيح المفاهيم وإزالة ما علق برسالة الإسلام من روايات مكذوبة على الرسول صلى الله عليه وسلم.

وفي خطبة الجمعة الأسبوع الماضي من مسجد (جيمة المالية) في موريتانيا، قال نوح محمد محمود، عضو مؤسسة رسالة السلام: «إن تفرق المسلمين حدث بسبب الأخذ بروايات تتعارض مع ما ورد في آيات القرآن حيث قال تعالى في سورة الأنعام: «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)».

كتاب «المسلمون بين الآيات والروايات»:

وكما جاء في كتاب «المسلمون بين الآيات والروايات» لمؤلفه المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي. فإن الأخذ بالروايات المنسوبة زورًا وبهتانًا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ أدى إلى اختلال المفاهيم والإضرار بمقاصد القرآن الكريم واختلط المعقول باللا معقول والحق بالباطل وأوجد حالة من الجدل الفكري وتداخل الأساطير والإسرائيليات المدسوسة على رسالة الإسلام، مع أن الله عز وجل لم يمنح أحدًا من البشر حق التشريع، حتى أنبياءه، فالمشرع هو الله سبحانه وتعالى وحده. فلم يكلف الله أنبياءه إلا بمهمة التبليغ والتبيين والشرح، قال تعالى: «..وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (النحل: 44).

ولذلك أمرنا الله سبحانه وتعالى بالوحدة وعدم التفرق: قال تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» (آل عمران: 103).

القرآن هو حبل الله المتين:

فحبل الله هو القرآن الكريم وهو الذي يحقق الوحدة والتآزر حتى تتعطل أسباب الفرقة وتسد أبواب الفتنة من أعداء الإسلام وأعداء الإنسانية كما يقول صاحب كتاب «المسلمون بين الآيات والروايات».

ولذلك حذر الله تعالى المسلمين من تصديق الروايات وما تهدف إليه من صرف المسلمين عن القرآن الكريم وإشغالهم في صراع عقدي لا فائدة منه، المغلوب والغالب فيه سواء، صراع عقدي بين المسلمين أكل عليه الزمان وشرب.

كما أمرنا الله عز وجل بعدم الالتفات إليهم لأن هذا يؤدي إلى منهج عقدي يترتب عليه مراجع دينية مختلفة وبالتالي يحدث تصادم وتقاتل وتدابر وتقاطع بيننا ونحن يجمعنا أكثر مما يفرقنا.

جميعهم يعتقدون أنهم هم القائمون على العقيدة والحق وحماة رسالة الإسلام، فأصبح كل مسلم يعتقد هذا في مذهبه وأنه هو الذي على الحق وأن غيره على الباطل.

كيف ينصرف الناس عن الآيات ويتبعون الروايات؟:

وقد أخبر الله سبحانه رسوله عليه الصلاة والسلام بأن الآيات التي أنزلها الله عليه هي الحق وهي كلمات الله، فكيف ينصرف الناس عنها إلى روايات تستعلي على كلام الله عز وجل؟

وقد قال تعالى: «تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ» (الجاثية: 6).

فإن هذا استنكار من الله عز وجل يحذر المسلمين من اتباع أية روايات أو مفاهيم بشرية تخالف كلام الله سواء كانت روايات أو أحاديث مكذوبة ومنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو كانت قصصا مكذوبة وهناك القصاصون الذين نسبوها للرسول وقد حذر الله تعالى من إتباع هذه الروايات التي تخالف آيات القرآن وإضفاء هالة من القدسية على تلك الروايات وكأنها دستور.

الله سبحانه يدعو إلى التمسك بما جاء في كتابه العزيز:

وبالتالي إن ضلوا ضللنا وإن اهتدوا اهتدينا والله يريد لعباده التمسك بما جاء في كتابه العزيز ليحميهم من الوقوع في الصراع والتقاتل، يريد الله لهم الخير والسعادة في الدنيا والآخرة وأن تكون لهم المرجعية الوحيدة وهي كلام الله عز وجل : «وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ» (الشورى: 10)، وأن يتبعوا إمامًا واحدًا هو محمد صلى الله عليه وسلم، فاختلاف المسلمين بين الآيات والروايات يتطلب منا أن نرجع  إلى القرآن الكريم والى أفعال النبي صلى الله عليه وسلم والله تعالى يقول: «وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا» (الفرقان: 30)، وقد ذكرنا أن من هجران القرآن عدم تطبيقه على أرض الواقع.

حرية الاعتقاد:

لقد وضع الله لخلقه تشريعًا مبنيًا على حرية الاعتقاد وعلى العدالة حيث يقول تعالى: «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا» (الكهف: 29)، وهذه الآية فيها من البيان والوضوح بأنها تؤكد حرية الاعتقاد والاختيار لكل إنسان، وعندما يخاطب الله نبيه يبين الله أن الإيمان لا يكون بالإكراه، والله سبحانه لديه القدرة أن يجعل الناس جميعًا مؤمنين ولكن اقتضت حكمته بمنحه الإنسان حرية الاختيار التي على أساسها سيتم محاسبة الناس على إيمانهم وأعمالهم كما قال الله سبحانه وتعالى: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (يونس: 99)، وتكررت تلك المفاهيم والمقاصد في أكثر من آية: «إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ..» (الزمر: 7).

التكليف الإلهي للرسول:

لذلك لم يعط الله لأي بشر الحق في أن يحاسب غيره ، فالمحاسب هو الله عز وجل، كما قال الله مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: «وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ» (يونس: 46)، ويتكرر التوجيه والتوضيح بشأن صلاحيات رسولنا صلى الله عليه وسلم، وغيره من الأنبياء: «قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ» (الأنعام: 104).

وقال تعالى في سورة الزمر: «إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (41)، وقوله تعالى: «إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» (القصص: 56)، ويقول: «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ» (آل عمران: 145).

الأحكام الإلهية ومسؤولية الرسل:

فلذلك يقول صاحب كتاب «المسلمون بين الآيات والروايات» أن الأحكام الإلهية واضحة جلية حدد بها المولى عز وجل مسؤولية الأنبياء، بتبليغ الناس بأن لهم الحق في اختيار الدين الذي يريدونه بمطلق الحرية وأن حسابهم عند الله جميعًا، يقول تعالى: «وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ» (البقرة: 281)، وقال سبحانه: «كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ» (المدثر: 38) ويقول: «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا» (مريم: 93)، وفي المقابل يقول تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا» (مريم: 96).

إن افتراقنا اليوم على مذاهب وعلى فرق «كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» (الروم: 32)،ا إن دل على شيء فإنما يدل على أننا للأسف الشديد نتعصب لأشياء نحن في غنى عن التعصب لها، وفي غنى عن التقاتل من أجلها.

فعلينا عباد الله أن نرجع إلى هذا القرآن الكريم وأن نستنير بنوره المبين وأن نعلم بأن السعادة في الرجوع إلى كلام الحق سبحانه وتعالى وإلى ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى