صراعات متفاقمة: هل تتسع دائرة الحرب الأهلية في إثيوبيا؟

في الوقت الذي تتصاعد في نبرة العجرفة الإثيوبية في تعاملها مع ملف سد النهضة، والتمسك بعملية الملء الثاني دون التوصل إلى اتفاق ملزم مع مصر والسودان ينظم عملية الملء والتشغيل، وهو الأمر الذي يهدد السلم والأمن الإقليميين- يشهد الداخل الإثيوبي تصاعداً حداً في وتيرة الصراعات الداخلية المسلحة، ففي الوقت الذي تفاءل فيه البعض بأنه هزيمة الجيش الإثيوبي في إقليم التيجراي سوف تدفع إلى حالة من الاستقرار وتوقف الحرب القائمة في البلاد، بيد أن التطورات التي شهدها الداخل الإثيوبي خلال الأيام القليلة الماضية حملت مؤشرات عكسية ترجح الاتجاه لمزيد من العنف والتوتر وتفاقم الوضع الراهن بل والدفع بالبلاد نحو حرب أهلية واسعة النطاق.

تفاؤل خادع:

أشار تقرير صادر عن “Africa Confidential” إلى أنه على الرغم من نجاح حزب “آبي أحمد” في تحقيق فوز كبير في الانتخابات الأخيرة (وجهت لها انتقادات كثيرة بعدم النزاهة)، إلا أن التقرير أكد على أن ذلك لن يكون كافياً لضمان الاستقرار للحكومة الإثيوبية المحاصرة بالعديد من الأزمات والإشكاليات الداخلية والخارجية.

ولعل، هذا ما أكده أيضاً التقرير الصادر عن مجلة “فورين بوليسي” Foreign Policy والذي أشار إلى أن هزيمة القوات الإثيوبية في إقليم التيجراي لن تضع حداً للصراعات المنتشرة في إثيوبيا والتي تهدد بتمزيق الدولة، بل أنها فتحت المجال أمام مزيد من التوتر والعنف في الأقاليم الإثيوبية، خاصةً مع تصاعد احتمالات امتداد بؤرة الصراع من شمال البلاد ليصل إلى الغرب والشمال الغربي.

هل بدأت الحرب الأهلية؟:

في الواقع تشهد إثيوبيا تصاعدا حادا في مستوى ونطاق الصراعات الداخلية، فقبل أيام قليلة تعرضت القوات الحكومية الإثيوبية لهزيمة مذلة في إقليم التيجراي بعد أشهر من الحرب التي شنتها حكومة “آبي أحمد” ضد الإقليم وارتكاب قواته لجرائم حرب واسعة وإبادة جماعية ضد جبهة تحرير التيجراي، إلا أن الأخيرة نجحت خلال الأيام الماضية في هزيمة الجيش الإثيوبي وإجباره على الانسحاب من الإقليم بعدما قتلت الجبهة منه عده آلاف وأسرت أكثر من ٧ آلاف آخرين، بل وفرضت الجبهة عدة شروط للموافقة على وقف إطلاق النار الذي أعلنته أديس أبابا، من أبرز هذه الشروط انسحاب مليشيات الأمهرا -التي كانت تدعم “آبي أحمد”- من كافة مدن الإقليم.

لكن، في الـ١٤من يوليو الجاري، بدأت شرارة حرب جديدة تلوح في الأفق بين إقليم التيجراي والأمهرا، فقد أعلنت جبهة تحرير التيجراي سيطرتها على مدينة “عدي أركاي” بإقليم الأمهرا، لترد الأخيرة سريعاً بإعلان حالة الطوارئ ومطالبة مواطني الإقليم بحمل السلاح، في مشهد ينذر باحتمالات اتساع رقعة الصراعات بل وإمكانية التحول لحرب أهلية، خاصةً وأن سقوط مدينة “عدي أركاي” في يد جبهة التيجراي يجعل الطريق مفتوحاً أمامها للسيطرة على عدة مدن استراتيجية في إقليم الأمهرا لعل أبرزها مدينة “ققوندر”.

وعلى الرغم من إعلان الحكومة الإثيوبية وقف إطلاق النار، بيد أن المواجهات المسلحة في إقليم التيجراي لا تزال قائمة، حيث تستمر جبهة التيجراي في التحرك في غرب الإقليم لاستعادة بقايا المدن التي يتواجد فيها عناصر اثيوبية واريترية ومليشيات الأمهرا، ومن أبرز هذه المناطق التي تسعى الجبهة لاستعادتها مدينة “الحمرة” الاستراتيجية و”دانشا” التي تمكنت الجبهة من السيطرة على مطارها وتواصل محاصرتها تمهيدا لاستعادتها.

كذلك، ثمة مناطق أخري في الداخل الإثيوبي – على غرار الأورومو والمقاطعة الصومالية- لديها تطلعاتها الخاصة بإعادة هيكلة الحكومة الفيدرالية، وهو ما يجعلها تنظر بعين الريبة إلى تحركات حزب الازدهار والتي تسعي إلى تجاوز النظام الفيدرالي والدفع نحو حكومة اتحادية تهمين على السلطة كافة وتنتزع سلطات الحكومات الإقليمية، كما أن إقليم الأمهرا ذاته (حليف آبي أحمد) سوف ينقلب على حكومة أديس أبابا إذا ما تراجع “آبي” عن وعوده بإطلاق يد الأمهرا في غرب إقليم التيجراي.

العلاقة بالغرب:

تسعى إثيوبيا إلى إقناع الحكومات الغربية برفع العقوبات المفروضة عليها بسبب الانتهاكات التي ارتكبتها في إقليم التيجراي، إذ تستهدف أديس أبابا من خلال ذلك استعادة ثقة المستثمرين الأجانب في إثيوبيا لتطوير اقتصادها المتهالك والذي يعاني من أزمات متفاقمة زادت حدتها بعد العقوبات الأمريكية والأوروبية.

وتجدر الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي كان قد أعلن منذ عدة أيام قليلة أن الأحداث التي يشهدها إقليم التيجراي تصل حد الإبادة الجماعية، وهو ما يمثل سيمثل تحدياً آخر بالنسبة للحكومة الإثيوبية، يضاف للإشكاليات والأزمات المتفاقمة التي باتت تعاني منها أديس أبابا.

موقف روسي مخيب:

بعد أيام قليلة من كلمة المندوب الروسي في جلسة مجلس الأمن التي شهدت مناقشة التعنت الإثيوبي في ملف سد النهضة، والتي حملت مؤشرات تقارب في موقف موسكو من أديس أبابا، جاء إعلان وزيرة الدولة الإثيوبية للدفاع “مارثا لويجي” عن توقيع “عدة اتفاقيات” للتعاون العسكري مع روسيا تستهدف رفع كفاءة القوات الإثيوبية، وهو ما جاء في ختام الاجتماع المشترك الـ 11 للتعاون التقني العسكري الروسي- الإثيوبي.

وفعلياً، لا ترقي الخطوات الأخيرة التي توصلت إليها البلدين إلى حد الاتفاقيات العسكرية، إذ أنها لا تمثل سوى تفاهمات بينهما لتحديث الأسلحة الروسية الموجودة لدى الجانب الإثيوبي، غير أن الأخيرة عمدت إلى الترويج له بشكل مكثف كدلالة على وجود تحالف يربطها بموسكو وأن الأخيرة تعد داعماً لها.

لكن، في المقابل لا يمكن تجاهل المصالح الروسية في إثيوبيا والتي ربما تفسر موقف موسكو الراهن من ملف سد النهضة، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى عدة محددات رئيسة تتمثل فيما يلي:

(*) مصالح موسكو في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، حيث تسعى روسيا إلى إيجاد موطئ قدم لها في هذه المنطقة، تستطيع من خلالها تعزيز نفوذها في القارة الإفريقية بشكل عام، فقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في الانخراط الروسي في إفريقيا، يتجسد بشكل واضح في منطقة الساحل ووسط إفريقيا، غير أن النفوذ الروسي في منطقة القرن الإفريقي لا يزال في طور النمو، وتسعى موسكو بشكل حثيث إلى التغلغل في هذه المنطقة الحيوية عبر بوابة إثيوبيا.

(*) سوق واعدة للأسلحة الروسية: في ظل الصراعات المتفاقمة التي تعاني منها إثيوبيا والتي باتت تهدد وحدة واستمرارية الدولة ككل، ترى روسيا في هذه المعطيات فرصة واعدة لترويج أسلحتها وإبرام صفقات واسعة مع الحكومة الإثيوبية، وقد بدأت إرهاصات هذا الأمر منذ 2019 عندما سلمت موسكو منظومة الدفاع الصاروخي “بانتسير 1” للجانب الإثيوبي.

(*) التنافس الروسي- الأمريكي: حيث تسعى روسيا لمنافسة التواجد الأمريكي في المنطقة، ومن ثم فقد عمدت إلى استغلال التوتر في علاقات واشنطن وأديس أبابا بسبب الانتهاكات الإثيوبية في إقليم التيجراي، للشروع في تعزيز علاقاتها بأديس أبابا كمدخل لتحقيق مصالحها.

ويبدو أن أديس أبابا بدأت تسعى لاستغلال هذا التنافس الدولي لتحقيق مصالحها، ولعل هذا ما انعكس في التظاهرات (مفتعلة من قبل الحكومة) التي شهدتها العاصمة الإثيوبية في يونيو الماضي والتي نددت بما وصفته التدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية الإثيوبية، ردا على العقوبات التي فرضتها واشنطن على عدد من المسئولين الإثيوبيين والاريتريين جراء الانتهاكات التي ارتكبتها حكومة “آبي أحمد” في اقليم التيجراي، وقد حملت التظاهرات لافتات تحمل صور الرئيس الروسي “فلاديمير بوتن” والصيني ” شي جين بينغ” في رسالة صريحة للولايات المتحدة مفادها إمكانية التقارب مع روسيا والصين.

قاعدة بورتسودان:

لا يمكن الفصل بين الموقف الروسي الراهن من ناحية والتطورات الخاصة بقضية قاعدة “بورتسودان”، ففي عام 2017 بحثت روسيا مع الرئيس السوداني السابق “عمر البشير” إنشاء قاعدة عسكرية بحرية في مدينة “بورتسودان” الاستراتيجية المطلة على البحر الأحمر، وفي ديسمبر 2020 نشرت الجريدة الرسمية الروسية نص الاتفاقية الرسمية التي تم توقيعها مع السودان (مدتها 25 سنة قابلة للتجديد لعشر سنوات إضافية) لبناء قاعدة تموين وصيانة للبحرية الروسية على ساحل البحر الأحمر، إلا أن الخرطوم أعلنت في مطلع يونيو الماضي من خلال رئيس هيئة أركان القوات المسلحة السودانية الفريق أول ركن “محمد عثمان الحسين” أن بلاده تراجع الاتفاقية التي تم توقيعها بين نظام “البشير” وروسيا، مشيراً إلى أن المجلس التشريعي لم يجيز الاتفاقية حتى الآن، وهو ما يمثل ضربة قوية لروسيا، إذ يتمخض عن قرار الخرطوم خسارة موسكو لموطئ قدم استراتيجي لها في القارة الإفريقية والبحر الأحمر، كانت يمكن أن تمثل نقطة ارتكاز حيوية لتوسعها في القارة الإفريقية.

وبالتالي، قد يعزى جزء كبير من الموقف الروسي الراهن إلى قرار السودان، وربما يفسر ذلك الزيارة المفاجئة لوزيرة الخارجية السودانية “مريم الصادق المهدي” لموسكو في أعقاب جلسة مجلس الأمن، حيث أكدن “المهدي” ثقتها في أن روسيا تستطيع إقناع إثيوبيا بتحكيم “صوت العقل” وذلك فيما يتعلق بالتعنت الإثيوبي من ملف سد النهضة، كما ألمحت الوزيرة السودانية أن قضية مركز الدعم اللوجستي الروسي، هو جزء من اتفاقية تم توقيعها في 2019، بيد أنه لم يتم المصادقة عليها بعد، وفي ظل غياب المجلس التشريعي في الوقت الراهن، سيتم إيجاز الاتفاقية عبر المجلس السيادي ومجلس الوزراء.

في النهاية، يمكن الإشارة إلى أن حكومة “آبي أحمد” تواجه أزمات متشابكة ومتعددة على كافة المستويات، حيث بدأت ملامح حرب أهلية تتبلور بشكل كبير في ظل اتساع رقعة الصراعات وتعدد أطرافها، فضلاً عن كثرة عداءات “آبي” في الداخل، وهو ما يحمل دلالات خطيرة بشأن احتمالات تمزق وتشرذم الدولة بسبب مساعي “آبي أحمد” التوسعية ورغبته في الهيمنة داخليا وخارجياً، وبالتالي أصبحت إثيوبيا تقف في نقطة فاصلة، سيتمخض عنها تبعات تؤثر على المنطقة ككل لفترة زمنية طويلة.

عدنان موسى

مشرف برنامج الدراسات الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى