سيكولوجية التطرف الإلكتروني..  في ” علم نفس التطرف” (عرض كتاب)

استخدام المنظور النفسي لتناول قضية التطرف يقدم الكثير من الفوائد ويزيل العديد من الالتباسات؛ فعلم نفس التطرف يرشدنا إلى أن التطرف لا يقتصر على التطرف الديني ولا على دين معين ولا ينحصر في هيئة وشكل معين يلتزم به المتدينين، بل ينظر للمفهوم من منظور سلوكي ومعاملة؛ فيهتم بوصف وتفسير السلوك المتطرف وكذلك التنبؤ به والتحكم فيه من خلال آليات للبحث والدراسة قائمة على المنهج العلمي والموضوعية فضلًا عن بيان النظريات النفسية المفسرة للسلوك المتطرف.

ويعتبر علم النفس الإرهاب من التخصصات الحديثة التي تساعد على فهم الإرهاب في طبقاته العميقة والغامضة في النفس البشرية وذلك في إطار تحليلي؛ بإعتباره يكشف سلوكيات البشر العنيفة، كما يحيلنا لإدراك عميلات العنف الصادرة من نفس غاضبة متأثرة من عدة عوامل منها: ( التصرفات، والتأثير، والتأثر، وردة الفعل ). ويكشف الباحث بدار الإفتاء المصرية، محمد محمود حبيب عن صعوبة القضاء على التطرف بشكل نهائي، ويعتبر حبيب أن من أسباب صعوبة التخلص ترجع إلى طبيعة النفس البشرية وحتمية وجود التنوع والاختلاف بين البشر؛ فضلًا عن عوامل أخرى تتعلق بتوصيف وفهم طبيعة التطرف؛ فما زال أكثر المهتمين بمواجهة التطرف وكذلك المتأثرين به لم يقفوا على حقيقته؛ فهناك الكثير من المتخصصين فضلًا عن غيرهم يخلطون بين الإرهاب والتطرف.

ويرى المؤلف من خلال صفحات الجزء الأول الذي يحمل عنوان “علم نفس التطرف وسيكولوجية التطرف الإليكتروني وكيفية التعامل الأمثل معه” ويأتي هذا الجزء من ضمن موسوعته النفسية في القضايا المجتمعية التي تتكون من أربعة -المهتمة بالقضايا المجتمعية- أنه يمكن القضاء على الإرهاب مستقبلًا، ولكن من الصعب القضاء على التطرف، فالتطرف يقوم على صفات تظهر من عوامل تربوية وتحكمها الأخلاقيات، مشيرًا إلى بعض الأخطاء المنتشرة منها ما يتصوره البعض بأن التطرف محصور في اعتناق بعض الأفكار الدينية وخاصة الإسلامية فقط، بل يرى أنه وفق المنهج العلمي المحايد نجد أن التطرف قد يكون اجتماعيًا أو سياسيًا أو رياضيًا أو طبقيًا، فالتطرف أعم وأشمل من التشدد والتعصب، فإذا زاد التعصب والتشدد عن حده واكتسب صفات أخرى أصبح تطرفًا.

وأوضح الكتاب أن التطرف ليس مجرد مجاوزة حد الاعتدال أو الخروج عن المألوف فقط، وإنما هو مرتبط بالجمود العقلي (الدوجماتية) والانغلاق الفكري، وهذا هو في الواقع جوهر الاتجاه العام الذي تتمحور حوله كل الجماعات المسماة المتطرفة؛ إذ أن التطرف بهذا المعنى هو أسلوب مغلق للتفكير الذي يتسم بعدم القدرة على تقبل أية معتقدات أو آراء تختلف عن معتقدات الشخص أو الجماعة.

ويعتمد حبيب على آراء علماء النفس حول التطرف ووصفه بأنه سلوك غير طبيعي ناتج عن اعتقادات أو أيدولوجيات معينة تسيطر أو تظهر على الشخص، وقد تختلف باختلاف الزمان والمكان وتتمثل في ثلاث صور أو مستويات وقد تجتمع صفة أو أكثر تبدأ من المستوى العقلي كالتعصب للرأي والتصلب والجمود، وتمر بالمستوى الانفعالي كالانفعال والغضب وتنتهي بالمستوى السلوكي والمتمثل في الاندفاع والميل للعدوانية والعنف غير الشديد والذي لم يصل لمرحلة الإرهاب بعد.

ويرى المؤلف أنه من الخطأ حصر أشكال التطرف في التطرف الديني فقط، بل هناك أشكال متعددة للتطرف والتعصب وكل شكل له سمات وخصائص تميّزه، بل هناك تقسيمات متعددة أكبر من ذلك منها على سبيل المثال تطرف على أساس الهدف الموجه له السلوك المتطرف؛ فهناك تطرف موجه نحو الذات كمن يشق على نفسه ويجلد ذاته بصورة مبالغ فيها جدًا، وهناك تطرف موجه نحو أفراد آخرين، وهناك تطرف موجه نحو الحيوانات أو النباتات وغيرها من مظاهر الكون والطبيعة ويكون في صورة رغبة وتصور عقلي في تدمير هذه الأشياء وامتهانها، وكذلك التطرف الموجه نحو الممتلكات العامة أو الخاصة فيكون لدى الشخص المتطرف رغبة في إتلافها دون سبب إلا الحقد وكراهية أصحابها.

ويستعرض المؤلف طبيعة الاعتقادات والأيدولوجيات التي تسيطر أو تظهر على الشخص المتصف بالتطرف وتتمثل في ثلاث صور أو مستويات وقد تجتمع صفة أو أكثر تبدأ من المستوى العقلي كالتعصب للرأي والتصلب والجمود، وتمر بالمستوى الانفعالي كالانفعال والغضب وتنتهي بالمستوى السلوكي والمتمثل في الاندفاع والميل للعدوانية والعنف غير الشديد والذي لم يصل لمرحلة الإرهاب بعد”، ويمكن تحديد وبلورة صفات المتطرف (أيّا كان نوع التطرف) على الإنترنت (وهي نفسها صفاته خارج الإنترنت) ومنها:

– ازدراء المخالف وكراهيته له في أمور قد لا تستوجب في الغالب ذلك.

– التعصب والتصلب للرأي كما يظهر في وجهات نظره وآرائه ومعتقداته المصرح بها على الإنترنت دون وجود مبرر قوي لها مع وجود مرونة وإمكانية في قبول غيره من الآراء.

– إظهار الشدة والغلظة والعصبية والانفعال والعدوانية مع المخالف وعند الحوار معه على الإنترنت وخارجه.

– الإصرار على تطبيق معايير صارمة غير معتدلة كالضغط على الذات وجلدها وتأنيبها.

– الاهتمام بالمظهر والشكل والاهتمام ببعض الأمور الغير جوهرية مع ترك الأهم والأولويات والاهتمام بالأقل أهمية.

– الاهتمام بالنمطية وعدم إدراك قيمة الإبداع والتجديد المنضبط.

– اللجوء لسوء الظن والتعميم عند تقييم المواقف والأفراد الآخرين.

– حب وتفضيل التسلط على الآخرين مع تفضيل المتسلط على المتسامح.

– الميل إلى الحسم بدلًا من المرونة أو الميل إلى ما يُعرف بعدم تحمل الغموض ويعني الرغبة في التعامل مع الشيء أما أنه أبيض أو أسود، أو أن أمرًا ما إما جيد فقط أو سيء فقط.

– الاعتقاد بأنه مختار من الله لنشر وتطبيق أفكاره وآرائه.

– عدم الشعور بالذنب أو المسئولية عند إهانة المختلف معه، فضلًا عن الشماتة في المخالف له.

– محاولة تصوير الأمور الجيدة التي اكتسبها على أنها نتاج لفكره السليم والمنضبط من وجهة نظره.

– التعالي على الآخرين والظن بأنه أرقى وأفضل منهم.

– الاستعداد لبذل كل إمكانياته وقدراته لإثبات ونصرة أفكاره.

– التقرب والالتفاف حول من يشبهه في أفكاره ومعتقداته، وقبول أي تعاون أو مشاركة معهم.

وأكد المؤلف على أن الشخصية السوية غير المتطرفة قد نتجت نتيجة كفاءة التنشئة الاجتماعية من خصال حميدة مثل التنسيق بين أدوار المنشئين الاجتماعيين، والارتقاء السوي والمتكامل لكافة مظاهر النمو، والسماح للأبناء القيام بنشاطات إبداعية، ومن تبني الفرد لنسق من القيم الدينية والخُلقية الواضحة والتفاعل الاجتماعي والبناء مع الآخرين، وهذا ما يُعرف بمؤشرات كفاءة عملية التنشئة الاجتماعية. لذا يوجه نداءً للآباء والأمهات والمربين بضرورة الاهتمام بالتنشئة الاجتماعية للطفل وترسيخ وتربية الطفل عل الصفات الجيدة والسليمة حتى ينشأ شخصًا سويًا بعيدًا عن التطرف منها ترسيخ صفة الإيثار عند الطفل والاهتمام بمشاعر وأحاسيس الأطفال والاعتدال في الاهتمام بالطفل والابتعاد عن تخويف الطفل وتعويد الطفل على احترام المرأة واحترام الآخرين ووقاية الطفل من العناد وتعويد الطفل على حب الآخرين وتفعيل وتنمية الانتماء في حياة الطفل.

ويتيح المؤلف في كتابه مساحة واسعة للتطرف الإليكتروني فيعرض مراحل ظهور الأفكار المتطرفة (أيّا كان نوعها) والاقتناع بها على الإنترنت ثم يبرهن ويدلل على ذلك بتخصيص دراسة نوع معين من  التطرف الإليكتروني ومراحله وهو “التطرف في فهم الدين الإسلامي كنموذج” مبينًا الدوافع، نوعية الأفكار، طريقة التفكير، شكل التعامل مع الأخرين، ومراحل التطرف.

كما يستعرض المؤلف في كتابه أهداف علم نفس التطرف وأهمية دراساته وبحوثه والتي منها الضرورة المُلحة لمعرفة بوادر وعلامات التطرف فهذا يوفره علم نفس التطرف، وتقديم الأسباب الحقيقية لظهور التطرف من خلال النظريات النفسية المفسرة له، وكذلك المساهمة في تصحيح المفاهيم المغلوطة بالتطرف كالمقصود من معناه، أو قصره على التطرف الديني أو حتى حصره في دين معين. وأيضًا تدريب وتعويد الكائن الحي كالإنسان على السلوك المعتدل وقبوله للآخر، وكذلك تنبيه الأسرة والمجتمع للاهتمام والعناية بالتنشئة الوالدية والاجتماعية لتحصين النشء من السلوك المتطرف، فضلًا عن  تقديم طرق فعالة ومؤثرة للمناصحة والحوار وإقناع الآخر وإرشاد الأطراف التي يهمها أمر علاج التطرف بطريقة تفكير المتطرف ومراحل تطرفه وكيفية التعامل معه سواء هذه الأطراف أهل أو أسرة المتطرف أو أصدقائه أو المسئولين في العمل الذي يجمعهم.

وأكد المؤلف على أن الشخصية السوية غير المتطرفة قد نتجت نتيجة كفاءة التنشئة الاجتماعية من خصال حميدة مثل التنسيق بين أدوار المنشئين الاجتماعيين، والارتقاء السوي والمتكامل لكافة مظاهر النمو، والسماح للأبناء القيام بنشاطات إبداعية، ومن تبني الفرد لنسق من القيم الدينية والخُلقية الواضحة والتفاعل الاجتماعي والبناء مع الآخرين، وهذا ما يُعرف بمؤشرات كفاءة عملية التنشئة الاجتماعية. لذا يوجه نداءً للآباء والأمهات والمربين بضرورة الاهتمام بالتنشئة الاجتماعية للطفل وترسيخ وتربية الطفل عل الصفات الجيدة والسليمة حتى ينشأ شخصًا سويًا بعيدًا عن التطرف منها ترسيخ صفة الإيثار عند الطفل والاهتمام بمشاعر وأحاسيس الأطفال والاعتدال في الاهتمام بالطفل والابتعاد عن تخويف الطفل وتعويد الطفل على احترام المرأة واحترام الآخرين ووقاية الطفل من العناد وتعويد الطفل على حب الآخرين وتفعيل وتنمية الانتماء في حياة الطفل.

ويختم المؤلف كتابه ببيان كيفية إقناع المتطرف وعلاجه موضحًا أن هناك كثير من الحلول العلاجية والوقائية للتخلص من الأفكار المتطرفة تقوم بها كثير من الدول  كمراقبة الإنترنت وتأسيس المراكز المتخصصة للتصدي للفكر المتطرف والتوعية الإعلامية، ولكن يتبقى أسلم وأقوى إجراء من وجهة نظر المؤلف وقد خصص له مساحة كبيرة في هذا الكتاب وهو التحصين من التطرف بتنشئة النشء على الصفات التربوية التي تحمي من التطرف فالتحصين السليم والتنشئة الرشيدة هما أفضل إجراء لتفاديه، ولكن إذا وقع التطرف واحتجنا إلى التواصل مع المتطرف أيّا كان تطرفه ديني أو رياضي أو سياسي أو اجتماعي فهناك عدة طرق ومداخل عامة نناصحه بها، والمناصحة أسلوب للتعامل مع المتطرف، ويمكن للأسرة والدعاة والباحثين المهتمين بأمر مواجهة وعلاج التطرف وغيرهم استخدامها.

وعن اختيار منهج المناصحة تحديدًا يقول المؤلف: وقد اخترت منهج وأسلوب المناصحة لما له من وقع ومدلول يوحي باحترام الطرف الأخر والتلطف له والتواضع معه؛ حيث ينتظر من هذا المنهج عملية تبادل لوجهات النظر بعيدًا عن لغة الأمـــــر أو الاستعلاء وهي اللغة التي يرفضها الطرف الذي نريد تعديل فكره، وهي أفضل من النصح من جانب واحد فقط. كما يبين المؤلف مهارات المناصحة الفعّالة وطرق اكتسابها وكذلك الخصال الشخصية للمناصح الناجح الفعّال وطرق اكتسابها وأيضًا يستعرض المؤلف معايير جودة المناصحة فضلًا عن مهارات عقلية يحتاجها المناصح منها مهارات حل المشكلات، ومهارات التفكير الناقد وطرق اكتسابها والتدريب عليها.

خصص المؤلف فصلًا كاملًا من عدة مباحث عرض فيها آليات البحث والدراسة في مجال علم نفس التطرف منها مناهج البحث وأدوات البحث وأخلاقيات البحث والدراسة في مجال علم نفس التطرف. كما يعرض المؤلف عددًا من المغالطات والتصورات خاطئة حول مفهوم التطرف من المنظور النفسي منها عدم تحرير مصطلح التطرف أو عدم تحديد معناه، وكذلك الخلط بين التطرف والإرهاب، وكذلك حصر التطرف في مجال الجانب الديني أو إلصاقه بدين معين، وأيضًا غياب النظرة الحيادية أو المنهجية العلمية في أغلب دراسات وبحوث التطرف، فضلًا عن الاعتماد على استقصاءات واستبيانات أو دراسات لا تلائم الموقف أو الغرض.

جدير بالذكر، أن صدر للباحث حديثًا أربعة مجلدات من الموسوعة النفسية في القضايا المجتمعية، وجاء الجزء الأول بعنوان “علم نفس التطرف وسيكولوجية التطرف الإليكتروني وكيفية التعامل الأمثل معه” وهو ضمن 20 جزءًا ستصدر تباعًا وستشمل موضوعات أخرى كعلم نفس الإرهاب والإلحاد والخطاب الديني والذكاء الاصطناعي والإنترنت والتنمر والوعي وغيرها. والجديد في هذه الموسوعة اعتمادها على الحيادية فتعرض القضايا الاجتماعية من منظور نفسي وجديد لا تعتمد على الفرعيات أو الجزئيات أو عرض الشبهات أو الأدلة الشرعية، بل تتناول الموضوع في إطار نفسي عام كصيغة مؤسسة لعلوم نفس جديدة لم تنل حظها من الاهتمام، كما أنه تم صياغتها بترتيب وتنظيم أكاديمي وعلمي ولكن بلغة بسيطة بعيدة عن المصطلحات المعقدة، واهتمت كثيرًا بالحلول الواقعية التي تفيد غير المسئولين و غير المتخصصين؛ فهي موجهة في المقام الأول للباحثين والإعلاميين والدعاة والمربين والمعلمين وغيرهم من المهتمين بأمر هذه القضايا المجتمعية ولم تركز على الحلول النمطية صعبة التطبيق.

 

 

رباب الحكيم

باحث ببرنامج التطرف والإرهاب، ومدير العلاقات العامة والاتصال الخارجي. حاصلة على ليسانس آداب فلسفة، وباحثة ماجستير في الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى