لماذا جددت الحكومة المصرية مبادرة البنك المركزى للتمويل العقارى؟

في الـ 9 من يونيو الجاري عقد مجلس الوزراء برئاسة “مصطفى مدبولى” اجتماعًا، لمتابعة إجراءات تفعيل المبادرة الرئاسية الخاصة بالتمويل العقارى، بحضور وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية ونائب محافظ البنك المركزى ومساعد وزير العدل للتشريع، وهى المبادرة التى يستعد البنك المركزى لإطلاقها بجميع البنوك المصري خلال أيامها، وجاءت تنفيذاً لتوجيه الرئيس “عبد الفتاح السيسى” بقيام البنك المركزي المصرى ببلورة وإطلاق برنامج جديد للتمويل العقاري لصالح الفئات من محدودي ومتوسطي الدخل لدعم قدرتهم على تملك الوحدات السكنية، وذلك خلال اجتماع أخر عقد فى الخامس عشر من مارس 2021، مع محافظ البنك المركزى “طارق عامر”، وعدد المسئولين داخل البنك.

وتأسيسًا على ما سبق، نستعرض ملامح وأبعاد المبادرة الجديدة للتمويل العقارى، ومقارنتها بالمبادرة السابقة لها التى تم الإعلان عنها عام 2014، بالإضافة إلى النتائج الإيجابية المحتملة لهذه المبادرة.

ملامح وأبعاد المبادرة:

استكمالا للمبادرات الرئاسية والجهود الحكومية لدعم قطاع الإسكان والقضاء على الفجوة بين الطلب والعرض، وتعزيز قدرة المواطنين من محدودى ومتوسطى الدخل على تملك الوحدات السكنية، جاءت مبادرة التمويل العقارى الجديدة لمحدودى ومتوسطى الدخل بتوجيه من الرئيس “عبد الفتاح السيسى” للبنك المركزى المصرى خلال اجتماعًا عقد فى 15 مارس 2021، وهى المبادرة التى تستعد البنوك المصرية لإطلاقها خلال الأيام القادمة، وقد أعلن البنك المركزى أن المبادرة تتضمن تخصيص 100 مليار جنيه لتمويل الوحدات السكنية للمستفيدين بفائدة 3% بمدة سداد سوف تصل إلى 30 سنة، وتتمثل أبرز شروط المبادرة فيما يلى:

(*) الجنسية المصرية وعدم الاستفادة من مبادرات السابقة: تشترط المبادرة أن يكون الشخص المتقدم للاستفادة بالمبادرة مصرى الجنسية وحسن السمعة والسلوك، وغير مستفيد من مبادرة التمويل العقاري السابقة لهذه المبادرة الجديدة أو حصل  على وحدة مدعمة.

(*) سن المتقدم: تسمح المبادرة باستفادة الأبناء والزوجة منها بشرط أن لا يتجاوز عمر الزوجة 75 عام عند سداد آخر قسط من القرض مع شرط تحويل المعاش على الجهة الممولة، وفي حالة أصحاب المعاشات يقوم الشخص بدفع 40% من سعر الوحدة السكنية.

(*) توفير ضمانات السداد للبنوك: حيث يشترط أن لا يكون العميل قد حصل على قروض من البنوك تجاوز قيمتها 40% من إجمالي دخله الشهري، ويشترط أن يكون راتبه يكفي لسداد قسط الوحدة، وأن لا يكون مسجل في قائمة آي سكور الشركة المصرية للاستعلام الائتماني كعميل متعثر.

(*) دفع مقدم الوحدة السكنية: في حالة المتقدم الأعزب من متوسطي الدخل عليه سداد 15% كمقدم من إجمالي سعر الشقة السكنية، بينما في حالة كون الشخص متزوج فعليه أن يلتزم بدفع حوالي 20% مقدم من إجمالي سعر الوحدة السكنية، وفي حالة أصحاب المعاشات يقدم 40% من سعر الشقة.

(*) عدم السماح ببيع الوحدة السكنية قبل مدة محددة: حيث يحظر بيع الوحدة السكنية ضمن المبادرة قبل 7 سنوات من التعاقد عليها.

مقارنة واجبة:

الجدير بالذكر أن مبادرة التمويل العقارى الجديدة، لم تكن المبادرة الأولى التى يُعلن عنها البنك المركزى المصرى لتشجيع التمويل العقارى فى مصر، ففى فبراير 2014، دشن البنك بالتعاون مع وزارة الإسكان مبادرة التمويل العقارى، بهدف تحقيق إصلاح هيكلى للتمويل العقارى من خلال إتاحته بآجال طويلة، ولكن تتميز المبادرة الجديدة عن المبادرة السابقة لها فى اشتمالها على أسعار فائدة ومدد سداد أكثر تيسيرا لمحدودى ومتوسطى الدخل وتخصيص مبلغ أكبر للمبادرة، وذلك كما يلى:

(&) تضمنت المبادرة السابقة التى تم تدشينها عام 2014 على أسعار عائد متناقصة حددت بنحو 7% لمحدودى الدخل و8% لمتوسطى الدخل، لضمان توفير الدعم المناسب لكل فئة من الفئات المعنية بهذه المبادرة، فى حين يبلغ سعر الفائدة فى المبادرة الجديدة 3%.

 (&) خصص البنك للمبادرة السابقة مبلغ 10 مليارات جنيه تم زيادتها إلى 20 مليار جنيه فى مرحلة ثانية للمبادرة، على شرائح لمدة حدها الأقصى 20 سنة، يتم توجيهها للتمويل العقارى الخاص بمحدودى ومتوسطى الدخل بمشروعات الإسكان بالمجتمعات العمرانية الجديدة، وفى المقابل أعلن البنك المركزى تخصيصه مبلغ 100 مليار جنيه للمبادرة الجديدة، وقد تصل مدد السداد إلى 30 سنة، كما تختص المبادرة بالشقق السكنية سواء التابعة لوزارة الإسكان أو القطاع الخاص أو الأفراد العاديين، بشرط تكون  الوحدة كاملة التشطيب والمرافق وصالحة للسكن ولا يوجد عليها مخالفات بناء.

(&) فى المبادرة السابقة تم تعديل البعض من شروطها حتى عام 2016، ومن أبرزها جعل الحد الأقصى لمتوسطى الدخل 8 ألاف جنيه للفرد و10 ألاف جنيه للأسرة، وألا تزيد قيمة الوحدة محل التمويل عن 400 ألف جنيه بدلا من 300 ألف جنيه فى أغسطس 2014، ثم زيادة هذا الحد إلى 500 ألف جنيه فى ديسمبر 2014، وفى فبراير 2016 تم إضافة شريحة جديدة تسمى “شريحة فوق المتوسط” للعملاء المستفيدين من المبادرة، بحيث يكون الحد الأقصى لدخل فئة فوق المتوسط 15 ألف جنيه للفرد و20 ألف للأسرة، ويكون الحد الأقصى لسعر الوحدة محل التمويل لتلك الفئة 950 ألف جنيه، أما فى المبادرة الجديدة فقد تم تعريف محدود الدخل بأنه العميل الذي لا يتجاوز دخله الشهري بين 4 آلاف جنيه للأعزب وعلى ألا تزيد على 6 آلاف جنيه للمتزوج شهريا، فيما يتراوح الدخل الشهرى لمتوسط الدخل بين 10 آلاف جنيه للأعزب ولا يزيد على 14 ألف جنيه للمتزوج، كما حددت المبادرة حد أقصى للوحدة السكنية للاستفادة من دعم الفائدة بحيث لا تتجاوز قيمتها بين 1.1 مليون جنيه للأعزب، و1.4 مليون جنيه للمتزوج على شريحة متوسطي الدخل، وفقا للشروط الأولية للمبادرة، أما محدودو الدخل يتم تحديد سعر الوحدة السكنية من صندوق ضمان للتمويل العقاري.

نتائج إيجابية المحتملة:

تساهم المبادرة الجديدة للتمويل العقارى فى تحقيق عددا من الإيجابيات، والتى تتمثل فى النقاط التالية:

(*) انتعاشة ودفعة غير مسبوقة للقطاع العقاري وتحرك المبيعات بالسوق المصرى.

 (*) يساهم خفض الفائدة في إدخال شرائح جديدة من العملاء لدى البنوك وتلبية احتياجات الفئات التى تمثل طلبا فعالا وحقيقيا بالسوق العقارى.

(*) تعافي القطاع العقاري ومساعدته في عبور أزمة كورونا، من خلال حيث تشجيعه على تنفيذ المزيد من المشروعات لتلبية احتياجات العملاء الذين سوف يقبلون على شراء الوحدات السكنية بنظام التمويل العقاري، وبالتالى زيادة فرص العمل بالمقاولات.

(*) تشجيع أعمال البناء الجديدة في إقامة التجمعات السكنية والتجارية والإدارية في كل أنحاء البلاد بفضل الموارد الإضافية التي ستتوفر للحلقات الأدنى من سوق الإنشاءات العقارية.

(*) تشجيع أصحاب العقارات على التصالح بشأن مخالفات البناء واتباع منظومة اشتراطات البناء الجديدة : وهى المنظومة التى أعلنت عنها وزارة التنمية المحلية فى مايو 2021، حيث تشترط مبادرة التمويل العقارى أن تكون الوحدات السكنية الممولة خالية من أية مخالفات للبناء.

(*) استيعاب الزيادة السكانية: تساعد مشروعات الإسكان في مصر بصفة عامة في استيعاب الزيادة السكانية الكبيرة التي أصبحت تمثل أكبر تحدى تواجهه الدولة المصرية، وذلك من خلال توفير العرض المناسب لحجم الطلب من قبل السكان للوحدات السكنية، ففى خلال الفترة بين تعدادى 1966 و2017، ارتفع عدد سكان مصر بالداخل بنحو 46.5 مليون نسمة بنسبة زيادة قدرها 97.5%، والذى ارتفع من 29 مليون نسمة للعام 1966 إلى 94.8 مليون نسمة للعام 2017، وهو ما يشير إلى زيادة معدل النمو السنوى للسكان من 2.04% خلال الفترة (1996-2006) إلى 2.56% خلال الفترة (2006-2017)، واستمر حجم السكان في الارتفاع حتى وصل إلى إلى 101,510,920 نسمة في قراءة للساعة السكانية فى 10 فبراير 2021 (الساعة 08:286 مساءًا).

المصدر: إعداد الباحثة، بالاعتماد على نتائج تعدادات السكان أعوام 1996 و2006 و2017 والساعة السكانية.

(*) معالجة سوق السكن المشوه: تسبب وجود فجوة بين الطلب والعرض في قطاع العقارات قبل عام 2014، في وجود سوق سكن مشوه، فقد أشار تقرير البوابة الإلكترونية العقارية “بروبرتى فايندر” حول سوق العقارات المصرية خلال العام 2018، إلى أن توزيع العرض والطلب بين أنواع العقارات في مصر يعتبر غير متكافئ، ففي حين أن الطلب على الوحدات السكنية مقابل أنواع العقارات الأخرى بلغ 55.4% فإن العرض يغطى فقط نحو 44.5% من هذا الطلب، وهو ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق فى أسعار العقارات، وهو الارتفاع الذى يرجع أيضًا إلى زيادة أسعار الأراضى لاسيما بعد اتخاذ البنك المركزى قرار تعويم الجنيه المصرى فى نوفمبر 2016، حتى بات سعر المتر من هذه الأراضي يتراوح بين 6-140 ألف جنيه وقد يتجاوز هذا السعر فى بعض المناطق، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار حديد التسليح، والتي وصلت إلى 12.16 ألف جنيه للطن بنهاية عام 2018، مقارنة بـ 4.7 ألف طن فى ديسمبر عام 2015، وذلك قبل عودتها مرة أخرى للانخفاض لتصل إلى 9.9 ألف جنيه للطب في يوليو 2020.

المصدر: إعداد الباحثة، بالاعتماد على إحصائيات البنك المركزى المصرى.

(*) زيادة ربحية البنوك: لما تتيحه عملية الإقراض للبنوك، من الحصول على سعر عائد للإقراض يحقق لهم الربحية، وكلما زادت القروض الممنوحة للقطاع الخاص أو الحكومى أو العائلى، زاد هامش الربح للبنوك، خاصة وأن خفض سعر عائد الإقراض فى ظل سياسة التيسير النقدى التى يتبعها البنك المركزى المصرى، تشكل دافعًا للأفراد للجوء إلى الاقتراض .

(*) تعزيز المركز المالى للبنوك: سيساعد هذا القرار فى رفع نسبة توظيف القروض إلى الودائع، وهو ما سيكون له تأثير إيجابي على نمو محفظة القروض لدى البنوك، وزيادة إيراداتها وأرباحها خلال الفترة المقبلة، مما سيعزز من المركز المالى الإجمالي للبنوك (بخلاف البنك المركزى)، والذى ارتفع بنحو 150% خلال الفترة يونيو 2016-نوفبمر 2020، ليصل إلى نحو 7119.9 مليار جنيه فى نهاية نوفمبر 2020، مقارنة بـ 2846.09 مليار فى يونيو 2016.

المصدر: إعداد الباحثة، بالاعتماد على النشرة الشهرية للبنك المركزى المصرى.

خاصة وان الأفراد الطبيعيين يشكلون النسبة الأكبر من إجمالى أرصدة القروض المقدمة من البنوك للعملاء بعد الحكومة، وهى النسبة التى بلغت 21% فى نوفمبر 2020.

المصدر: إعداد الباحثة، بالاعتماد على النشرة الشهرية للبنك المركزى المصرى.

(*) رفع معدل النمو الاقتصادى: فزيادة الطلب على الوحدات السكنية من قبل الأفراد وتشجيع شركات المقاولات على زيادة أعمال البناء، ينعكس إيجابيًا على الناتج المحلى الإجمالى، ويؤدى إلى رفع معدلات النمو الاقتصادى، وذلك فى ظل كون قطاع الأنشطة العقارية هو رابع أكبر الأنشطة الاقتصادية مساهمة فى الناتج المحلى الإجمالى للدولة، وذلك بنسبة بلغت 10.3% فى العام المالى السابق 2019/2020، كما يأتى نشاط التشييد والبناء فى الترتيب السادس بنسبة مساهمة بلغت 6.3%.

المصدر: إعداد الباحثة، بالاعتماد على إحصائيات البنك المركزى المصرى.

حاصل القول، جاءت مبادرة التمويل العقارى الجديدة لمحدودى ومتوسطى الدخل لتستكمل ما بدأته الحكومة المصرية بقيادة الرئيس “السيسى” فى اتجاه تنشيط سوق العقارات وتلبية احتياجات الفئات المختلفة من المواطنين وتيسير تملك العقارات منذ عام 2014، لتكون بذلك هى المبادرة الأكبر والأضخم من نوعها فى هذا الاتجاه، والتى تمتد أثارها الإيجابية من تنشيط الشركات وتصحيح مسار سوق الإسكان المشوه إلى زيادة رفاهية المواطنين والقضاء على الفجوة بين أصحاب شرائح الدخول المختلفة فى تملك الوحدات السكنية.

قمر ابو العلا

رئيس برنامج الاقتصاد السياسي. باحثة اقتصادية، وحاصلة على ماجستير في الاقتصاد، جامعة القاهرة، شاركت في العديد من التقارير الاقتصادية والاجتماعية في الشئون المصرية والخارجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى