تصعيد أمريكي: ماذا يعني قرار بايدن  بـ “تمديد حالة الطوارئ الخاصة بسوريا”؟

منذ وصوله إلى البيت الأبيض لم يكشف الرئيس الأمريكي جو بايدن بوضوح عن سياسته إزاء الملف السوري وسط تطلعات من قبل حكومة الأسد بحدوث تغيير  في سياسة واشنطن، ولكن في تطور لافت، وقع جو بايدن هذا الاسبوع  مرسوماً يمدد حالة الطواريء الوطنية في سوريا لمدة عام أخر لتستمر حتى 11 مايو 2022، و جاء في بيانٍ صادر عن البيت الأبيض” أن وحشية النظام وقمعه للشعب السوري، الذي دعا إلى الحرية والحكومة التمثيلية، لا تعرض الشعب السوري نفسه للخطر فحسب، بل تولد أيضًا حالة من عدم الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة”.

وبناءاً على القرار، سوف يتم تمديد نظام حالة الطوارئ للولايات المتحدة بمواصلة تجميد ممتلكات وأصول عدد من الأشخاص المرتبطين بالحكومة السورية، فضلا عن حظر تصدير بعض السلع، وفي ضوء ذلك التحرك الأخير للادارة الأمريكية الجديدة يمكن تسليط الضوء على أبرز ما تناوله البيان والشروط الأمريكية من أجل النظر في إمكانية إلغاء حالة الطوارىء المفروضة، وما هو تاريخ العقوبات التي فرضتها واشنطن على سوريا، وما هي دلالات إعلان هذا القرار، وكيف يمكن أن تتحرك حكومة بشار الأسد إزاء تلك التطورات.

البيان ومضمونه:

أشار البيان الصادر يوم 6 مايو 2021 إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن الأمر التنفيذي 13338، الذي أُعلن فيه حالة الطوارئ الوطنية فيما يتعلق بسياسات الحكومة السورية، في 11 مايو 2004 خلال حكم الرئيس الأمريكي جورج بوش بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية International Emergency Economic Powers Act, 50 U.S.C. 1701-1706 ، وقانون محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية لعام 2003  القانون العام 108-175، وفيما يلي أهم ما تطرق له البيان:

(*) إدانة انتهاكات نظام الأسد: أشار البيان إلى أن وحشية النظام وقمعه للشعب السوري، الذي دعا إلى الحرية والحكومة التمثيلية، لا تعرض الشعب السوري نفسه للخطر فحسب، بل تولد أيضًا حالة من عدم الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة، كما تشكل تصرفات النظام السوري وسياساته، بما في ذلك ما يتعلق بالأسلحة الكيميائية ودعم المنظمات الإرهابية، تهديدًا خطيراً للأمن القومي والسياسة الخارجية واقتصاد الولايات المتحدة، كما أدان البيان ما يراه من عنف الوحشي وانتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان التي أشار إلى ممارسها نظام الأسد بدعم من روسيا و إيران.

(*) شروط إنهاء حالة الطوارئ: أوضحت الولايات المتحدة أنها ستحدد ما إذا كانت ستستمر أو تنهي حالة الطوارئ الوطنية في المستقبل في حالة حدوث تغييرات في سياسيات وإجراءات الحكومة السورية، حيث دعت نظام الأسد وداعميه إلى وقف حربه الشرسة ضد شعبه، وإعلان وقف إطلاق نار على مستوى البلاد، وتمكين إيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى جميع السوريين المحتاجين، والتفاوض على تسوية سياسية في سوريا بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 2254.

مسار العقوبات الأمريكية على الحكومة السورية:

تعتبر العقوبات الأمريكية على سوريا جزء من الحرب الاقتصادية التي تشنها الولايات المتحدة على معظم خصومها، وهي مجموعة من القوانين الاقتصادية التي تهدف لتضييق الخناق على الحكومة السورية والتي بلغت أوجها بعد بداية الحرب الأهلية السورية وصولاً إلى قانون قيصر والذي يعتبر أكثرها تأثيراً، ويمكن تتبع أبرز محطات تلك العقوبات في النقاط التالية:

(&) أولى العقوبات الاقتصادية: يعود تاريخ أول عقوبات اقتصادية تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية على سوريا إلى عام 1979 حيث اتهمت الخارجية الأمريكية الحكومة السورية بقيادة “حافظ الأسد” حينها بدعم الإرهاب وكانت تعني بذلك المنظمات الفلسطينية التي كانت تدعمها دمشق على أراضيها والأراضي اللبنانية, وكانت تلك العقوبات سببا في تراجع اقتصادي كبير في سوريا أعقبه تغييرات كبرى في النظام الاقتصادي السوري سعياً لتحقيق الاكتفاء الذاتي  والاعتماد في التجارة على دول معادية للولايات المتحدة على رأسها الإتحاد السوفييتي.

(&) الأوامر التنفيذية: كانت هناك سلسلة من الأوامر التنفيذية التي أصدرها الرئيس جورج دبليو بوش والتي تتضمن الأوامر التنفيذية 13315 ، 13224 ، 13382 ، 13338 ، 13399، 13441 , 13460، شملت تلك الأوامر فرض العقوبات على بعض المواطنين أو الكيانات السورية بسبب مشاركتهم في دعم الإرهاب أو أعمال الفساد العام أو الأنشطة المزعزعة للاستقرار في العراق ولبنان، وفي مايو 2004 في ظل حكم الرئيس بشار الأسد تم سن مجموعة جديدة من العقوبات الاقتصادية بموجب الأمر التنفيذي رقم 13338، ثم في مايو 2010 جدد الرئيس باراك أوباما هذه المجموعة من العقوبات ضد سوريا وتم معاقبة 20 مواطنًا سوريًا، بينما في 18 أغسطس 2011 صدر الأمر التنفيذي رقم 13582 الموقع من قبل الرئيس أوباما بتجميد جميع أصول الحكومة السورية، ومنع الأشخاص الأمريكيين من الانخراط في أي صفقة تشمل الحكومة السورية، وحظر واردات الولايات المتحدة من البترول أو المنتجات النفطية ذات الأصل السوري، وحظر الولايات المتحدة للأشخاص الذين لديهم أي تعاملات تتعلق بالمنتجات النفطية أو البترولية السورية ويعتبر هذا بداية الحظر الأمريكي الشامل على سوريا.

(&) حقبة دونالد ترامب: مع وصول دونالد ترامب إلى السلطة، تم إقرار مزيداً من العقوبات على سوريا وعلى حلفائها وصولاً إلى قانون قيصر الذي يجرم التعاملات المؤثرة مع الحكومة السورية بأي شكل سواء على مستوى الأفراد أو الشركات، وعند بداية دخول القانون حيز التنفيذ في 17/6/2020 انهار الاقتصاد السوري وتضخم بشكل كبير متأثراً بحملة المقاطعة، ووصلت الليرة السورية إلى أدنى مستوياتها تاريخياً حيث سجلت نحو 3500 ليرة أمام الدولار الواحد.

دلالات تمديد حالة الطوارىء الوطنية في سوريا:

أشار العديد من المراقبين إلى أن إعلان جو بايدن عن تمديد حالة الطوارئ في سوريا، يعد أول إجراء تُقدم عليه الإدارة الأمريكية الجديدة بشأن سوريا، لاسيما وأن أولويات الإدارة الحالية لا تشمل الملف السوري، و لكن يمكن الاشارة إلى أبعاد اتخاذ هذا القرار على النحو التالي:-

  • البعد الأول, هو أن توقيت إعلان هذا البيان مرتبط بالظرف السياسي الدولي مع بداية انفتاح عربي على سوريا، وبالتالي يأتي القرار الأميركي لينفي أي نوايا لدى إدارة بايدن بالتطبيع مع نظام الأسد.
  • البعد الثاني, يرتبط بالتصعيد الامريكي- الروسي، فالولايات المتحدة ترغب في مواجهة دور روسيا كلاعب أساسي في المشهد السوري لاسيما بعد نجاحها في تغيير المعطيات على الساحة السياسية والعسكرية في سوريا بشكل كبير، الأمر الذي أكسبها حضورا أكبر على الساحة الدولية، وبالتالي قد يدفع ذلك بعض الدول للتوجه نحو موسكو خاصة بعد أن فقدت واشنطن قدرتها في التأثير على خريطة المنطقة وتحولت إلى توظيف أداة فرض العقوبات بدلاً من تعزيز المصالح المشتركة مع دول المنطقة.

تحركات سورية محتملة:

من المتوقع أن تؤدي سياسة التصعيد الامريكية إزاء سوريا المتمثلة في تمديد حالة الطوارىء وما يترتب عليها من استمرار للعقوبات المفروضة، إلى محاولة نظام الأسد البحث عن قنوات اقتصادية مستقلة عن واشنطن وحلفاءها، على النحو التالي:

  • تعزيز الاعتماد على الذات: من المرجح أن تتجه سوريا إلى التحول من صورة الاقتصاد الريعي نحو الاقتصاد المنتج، خاصة بعد أن فقدت سوريا غالبية إمكاناتها النفطية نتيجة للاستحواذ الأمريكي على المنطقة الشرقية، مما يفرض  على سوريا ضرورة التحول نحو الإنتاج.
  • خلق شبكات اقتصادية: من خلال توظيف علاقاتها مع الدول خارج التأثير الأمريكي والغربي مثل روسيا والصين وبعض دول آسيا وأفريقيا ودول الجوار كالعراق والأردن ولبنان، حتى تتمكن من التخلص التدريجي من استخدام الاقتصاد كسلاح ضدها.

 خلاصة القول، من المحتمل في ظل إعلان بايدن عن قراره بتمديد حالة الطوارئ الوطنية على سوريا في الوقت الذي تستمر الإدارة الأمريكية في فرض عقوبات اقتصادية على الحكومة تلك الدولة، وفي مقدمتها قانون قيصر، وأيضا في ظل محاولات إقليمية وعربية لوقف هذه العقوبات على دمشق- أن تساهم تلك الاستراتيجية الأمريكية، المتمثلة في تنويع شراكات واشنطن والتنسيق مع الحلفاء، في جعل أداة فرض العقوبات أكثر فاعلية من تلك التي فرضها دونالد ترمب التي تسببت في خسائر اقتصادية كبيرة للمدنين دون تحقيق النتيجة المرجوة، كما أنها من ناحية أخرى سوف تجبر سوريا على فك الارتباط الاقتصادي بالغرب والبحث عن بدلاء اقتصاديين أخريين، خاصة وأن هذه العقوبات أكثر شدة وشمولاً،  وبالتالي قد تتمكن من الالتفاف على سياسة العقوبات في المستقبل القريب.

سلمى العليمي

رئيس برنامج الدراسات الأمريكية باحث ماجستير في العلوم السياسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومة في الدراسات العربية، دبلومة من الجامعة الأمريكية في إدارة الموارد البشرية، نشرت العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة في الشأن الأمريكي والعلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى